﷽
قال الشيخُ الفقيهُ العالمُ الحافظُ شمسُ الدين، أبو عبد الله بن (^١) أبي بكر بن أيُّوب الزُّرعي (^٢)، الشَّهير بابن قيِّم الجَوْزِيَّة ﵁، وغفر له، وأعلا في الجنة درجته، آمين.
الحمدُ لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظْهِرَه على جميع الأديان، وأيَّده بالآيات الظَّاهرة والمعجزات (^٣) الباهرة ومن أعظمِها القرآن، وأمدَّه بملائكةِ السَّماءِ تُقاتِل بين يديه مقاتَلَةَ الفُرْسَان، ونصرَهُ بريحِ الصَّبَا تُحارِب عنه أهل الزَّيغْ والعُدْوان، كما نصره بالرُّعب، وقذفه في قلوبِ أعدائه وبَيْنَه وبَيْنَهُم مسِيْرةُ شهرٍ من الزَّمان، وأقامَ له جنودًا من المهاجرين والأنصار تُقَاتلُ معه بالسَّيف والسَّهم
_________________
(١) وقع في (ظ) زيادة (أبي عبد الرحمن) بين (بن أبي) فحذفتها، إذْ لا وجود لها في مراجع ترجمة المؤلف. انظر كتاب ابن قيم الجوزية، حياته، آثاره، موارده، للشيخ بكر أبو زيد ص ١٧. - وجاء في (ح، مط) (قال الشيخ الإمام العالم العلامة أوحد عصره، وفريد دهره، شيخ الإسلام والمسلمين، قامع البدعة والمبتدعين الشيخ شمس الدين …).
(٢) في (ح) بعد (الزُّرعي) (إمام [الجوزية] أمتع الله بحياته، وأعاد على المسلمين من بركاته). - وجاء في الطبعة الثانية، المطبوعة على نفقة عزَّة العطار ومحمود سكر (المعروف بابن قيم المدرسة الجوزية ﵀. - وجاء في طبعة مكتبة الخانجي (١٤١٤ هـ) (إمام الجوزية متع الله بحياته، وأعاد على المسلمين بركاته).
(٣) في (ح) (ودين الحق) بدلًا من (والمعجزات).
[ ٣ ]
والسِّنان، وتصاول بين يديه (^١) في ميادين السباق تصاول (^٢) الأقران، وتبذل (^٣) في نصرته من نفوسها وأموالها نفائِسَ الأثمان، تسليمًا للمَبِيع الذي جرى عقده على يدي الصادق المصدوق، والتزم للبائع الضمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]، وتبارك الذي أرسل رسله بالبيِّنات وأنزلَ معهم الكتاب والميزان، وأنزلَ الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ ومنافعُ للناس بها تتمُّ (^٤) مصالح الإنسان، وعلَّم الفروسيَّةَ وجعل الشجاعةَ خُلُقًا فاضلًا يختصُّ به من يشاء، وكمَّلَهُ لحزبه وأنصاره (^٥) أهل الإيمان، فأوجب محبته للجواد الشجاع، ومقته للبخيل الجبان (^٦).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له رب الأولين والآخرين، وإله العالمين (^٧)، وقيُّوم السماوات والأرضين، الذي أفاض على خلقه النِّعمة، وكتب على نَفْسهِ الرحمة، وضَمَّنَ الكتاب الذي كتبه: أنَّ
_________________
(١) قوله (وتصاول بين يديه) من (ظ)، وفي (ح) بياض بمقدار كلمتين.
(٢) في (مط) (إذا تسابقت)، وفي (ح) (إذا (بياض) الأقران).
(٣) في (مط) (وصرفت)، وسقط من (ح) (وتبذل)، وجاء هكذا (في نصرته من تفرسها).
(٤) في (ح، مط) (ومنافع تتم بها مصالح …).
(٥) في (مط) (وأصاره حلية أهل الإيمان)، وفي (ح) (وأصاره أهل الإيمان).
(٦) في (مط) (فأوجب محبة الجواد الشجاع، ومقت البخيل الجبان)، ووقع في (ظ) (… الشجاع وكمله ومقته) وكأنه مضروب على كلمة (وكمله).
(٧) في (ح، مط) (رب العالمين، وإله الأولين والآخرين).
[ ٤ ]
رحمته تغْلب غضبه، تعرَّف إلى عباده بأوصافه وأفعاله وأسمائه، وتحبَّب إليهم بِنِعَمِهِ (^١) وآلائه، وابتدأهم بإحسانه وعطائه، فهو المحسنُ إليهم والمجازي على إحسانه بالإِحسان، فله النعمةُ والفضلُ والثناءُ الحسنُ الجميلُ والامتنان، ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧].
وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُهُ على وحْيِهِ، وخيرتُهُ من خلقِه، وسفيْرُهُ بينه وبين عباده، وحجَّتُهُ على جميع الإنس والجانِّ، أرسلَه على حينِ فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطُّرق وأبْيَن السُّبل، وافترض على العباد طاعتَه ومحبَّته وتعظيمه والقيامَ بحقوقه، وسدَّ إلى الجنة جميع الطرق؛ فلم يفتح لأحدٍ إلا من طريقه، فشرح الله له صدرَه، ورفعَ له ذِكرَه، ووضعَ عنه وِزْرَه، وبعثه بالكتاب الهادي والسّيف الناصر بين يدي الساعة حتى يُعْبَد سبحانه وحده لا شريك له، وجعل رزقه تحت ظلِّ سيفه ورمحه، وجعل الذِّلَّة والصغار على مَن قابل أمره بالمخالفة والعصيان، وأنزل عليه من الكتب أجلَّها، ومن الشرائع أكملها، ومن الأمم أفضلَها، وهم يوفّون سبعين أمَّة هم خيرها وأكرمها على الرحمن، وخصَّه من الأخلاق بأزكاها، ومن مراتب الكمالِ بأعلاها، وجمع له من المحاسن ما فرَّقه في نوع الإنسان، فهو أكمل الناس خَلْقًا، وأحسنهم خُلُقًا، وأشجعهم قلبًا، وأجودهم كفًّا، وألينهم عريكةً، وأوسعهم صدرًا، وألطفهم عِشْرةً، وأفصحهم لسانًا، وأثبتهم جنانًا، وأشرفهم بيتًا ونسبًا.
_________________
(١) في (ح، مط) (بنعمته).
[ ٥ ]
فهو مُحَمَّدُ بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالِك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَد بن عدنان.
فصلى الله تعالى وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه والصالحون من خلقه عليه، كما عرَّفنا بالله تعالى وأسمائه وصفاته، ووحَّده ودعا إليه، وآتاه الوسيلة والفضيلة، وبعثه المقام المحمود الذي وعده به في الفرقان (^١)، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإن الله تعالى أقام دين الإسلام بالحجَّة والبرهان، والسَّيف والسِّنان، فكلاهما في نصره أخوان شقيقان، وكلاهما شجيع (^٢) لا يتمُّ إلا بشجاعة القلب وثبات الجَنان، وهذه المنزلةُ الشَّريفةُ والمرتبةُ المنيفةُ محرَّمة على كل مهين جبان، كما حُرِّمَت عليه المسرَّة والأفراح، وأُحْضِر قلبُهُ الهمومَ والغمومَ والمخاوفَ والأحزان، فهو يحسب أنّ كل صيحة عليه، وكلَّ مصيبة قاصدة إليه، فقلبُه بالهمِّ مغموم (^٣) بهذا الظن والحُسْبان.
_________________
(١) في (ح، مط) (في دار السلام) بدلًا من (الفرقان).
(٢) ليست في (ظ). وشجيع: بمعنى شجاع، من الشجاعة. قال ابن السّكيت: "رجل شجيع وشجاع، وامرأة شجاعة" انظر المخصَّص لابن سيده (١/ ٢٧٤) ط - دار إحياء التراث العربي.
(٣) في (ح، مط) (بالحزن مغمور).
[ ٦ ]