قبل الخوض في هذه القضية نشير إلى أن القول بأن للمؤلف كتابين: كبير ومختصر منه لا أعلم أحدًا قال به إلا في هذا العصر الحديث.
ولعل عُمْدة هؤلاء ما يلي:
١ - ما جاء في هذا الكتاب (ص/ ٧): "فهذا مختصر في الفروسية الشرعية النبوية … ".
٢ - ما جاء في إعلام الموقعين (٤/ ٢٢): (… وذكرناها في كتابنا الكبير في الفروسية الشرعية" فمن خلال هذين النصَّين: استُنْبِط أنّ للمؤلف كتابًا كبيرًا ومختصرًا (^١).
لكن الذي يظهر لي من خلال كتب التراجم، وما ورد في هذا الكتاب - كما سيأتي - أن هذا الكتاب هو بعينه الذي وصفَهُ المؤلف بقوله "كتابنا الكبير" (^٢). وذلك لعدة أوجه:
١ - أنَّه وَصَفَهُ بالكبير للتفريق بينه وبين كتابه الآخر المفْرد في مسألة اشتراط المحلل في السباق، وذلك لاشتراكهما في ذكر هذه
_________________
(١) انظر ابن قيم الجوزية، حياته، آثاره، موارده - للشيخ بكر أبو زيد (ص/ ٢٨٠ - ٢٨١)، ومقدِّمة: مشهور بن حسن آل سلمان في تحقيقه كتاب الفروسية (ص/ ٢٧ - ٢٨)، ومعجم مصنفات الحنابلة للطريقي (٤/ ٣٢٠)، وغيرها.
(٢) وإليه ذهب السيد عزت العطَّار الحسيني، في مقدمة طبعته لهذا الكتاب.
[ ١٥ ]
المسألة، وزاد عليه هذا الكتاب أبحاثًا كثيرة تقرب من ثلثي الكتاب، كما سيأتي في محتوى الكتاب.
٢ - ما ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (٤/ ٢١ - ٢٢)، بقوله: " … في كتابنا الكبير في الفروسية الشرعية وذكرنا فيه، وفي كتاب "بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال" بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا، وبيَّنا ضعف الحديث الذي احتجَّ به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحَّته".
أقول: إن جميع ما ذكره ابن القيم هنا موافق لما جاء في هذا الكتاب (^١).
٣ - أن قوله في هذا الكتاب "فهذا مختصر في الفروسية الشرعية النبوية … " لا يدل على أنَّه مختصر من كتاب كبير.
وذلك من وجوه:
أ - أنَّه لم يقل "مختصر الفروسية الشرعية … " أو "اختصار للفروسية الشرعية .. " ونحوها.
ب - أنَّه لم يُشر في كتابه هذا - ولو إشارة واحدة - إلى الأصل الذي اختصر منه هذا الكتاب.
ج - أنَّه في كتابه هذا أشار إلى مَنْ أنكر عليه في هذه المسألة وهو
_________________
(١) انظر (ص/ ٩٢ - ١٥١ و١٦٩ - ٢٢٥، ٢٢٥ - ٢٢٧).
[ ١٦ ]
القاضي الشافعي وذلك سنة ٧٤٦ هـ، فيلزم من يقول إنه مختصر أن يثبت تاريخ تأليفه الكتاب الكبير والسبب في اختصاره.
د - أن طريقته وإسهابه في الرد - وخاصة في بيان ضعف حديث المحلل - لا يشبه الاختصار بحال من الأحوال.
هـ - أن كلامه على بابه وأنه مختصر في الفروسية، فهو لم يستوعب الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب بل اكتفى ببعضها، ولعل هذا ما جعل ناسخ الأصل (ظ) يُنكر على المؤلف في عدم ذكره بعض الأحاديث المعروفة.
٤ - أن العلماء أطبقوا على أنَّه له كتاب "الفروسية المحمدية" ولم يشيروا إلى وجود كتاب كبير أو مختصر، ومن هؤلاء العلماء: قريْنُهُ: الصفدي، ومن جاء بعده: كابن النحاس والسخاوي والسفاريني، وكذلك ما جاء على ظهر جميع النسخ (الظاهرية والعراقيَّة والحائلية) (^١).
٥ - أن جميع ما نقله ابن النحاس والسخاوي والسفاريني موجود في هذا الكتاب كما سيأتي.
٦ - أنَّه لا يُعرف إلى الآن نُسخة باسم "الفروسية الشرعية" كأصل لهذا الكتاب.
٧ - أن ابن كثير لما ذكر ما وقع للمؤلف من فتنة في أحداث سنة
_________________
(١) والنسخة التيمورية، وقد طبعت بدار الاثار - تحقيق: عادل بن سعد ط - الأولى - (١٤٢٥ هـ).
[ ١٧ ]
٧٤٦ هـ، ذكر أنَّه صنّف في هذه المسألة مصنَّفًا من قبل ذلك. (قلت: وهذا المصنَّف هو ما ذكره المؤلف وتلميذه ابن رجب، وقرينه الصفدي - بيان الاستدال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال)، وفي هذا الكتاب أشار المؤلف إلى مَنْ أنكر عليه افتاءَه بذلك، ولم يشر ابن كثير إلى وجود كتاب كبير في ذلك. وهذا يعني أن لابن القيم مؤلّفان فقط هما: كتاب "بيان الاستدلال … " ألَّفه قبل سنة ٧٤٦ هـ، وكتابنا هذا ألَّفه في هذه السنة (٧٤٦ هـ) كما تقدم. والله أعلم.