الفن التمثيلي والمرأة
المرأة التي رفع الإسلام قَدْرها، وخلّصها من القهر والظلم والامتهان، فجعلها مكرمة مصونة، بعد أن ذاقت كل ألوان الاضطهاد في الجاهلية، وبعد أن بِيعت مع المتاع، ووُرِّثت مع المال، المرأة التي جعلها الإسلام مدرسة للفضيلة والخُلق الحسن، تربي العامل الكادح، والقائد الفذّ، والمفكر الذي يحمل همّ الأمة، والأديب الذي يصوغ عقول أبنائها بسمو أدبه، والمؤرخ المؤتمن على حركة التاريخ المجسِّدة لدحض الحق للباطل، وهي التي تربي وتربي ، فتحمل بذلك أشرف رسالة، هي الأم التي تورّث الأجيال القيم والمبادئ السامية، والزوجة الصالحة التي تقيم أركان الأسرة على تقوى من الله، وهي الأخت الناصحة الحانية، وهي البنت التي تورق وتزهر في واحة الإيمان.
هذه المرأة هي المقصود غزوها، إن أسوار نفسها تُقتَحم فكريًا ودينيًا وسلوكيًا من خلال هذا الفن، وقد أدرك أهله ومن يقف وراءهم أهمية المرأة ومكانتها في المجتمع بعامّة، وفي المجتمع المسلم بخاصة، فهي التي تقوده إلى المعالي إن صلحت وتقوده في الوقت عينه إلى المهالك إن فسدت، وهي الأساس الأهم للأسرة بل للمجتمع بأسره، ومن خلالها أيضًا يتم إفساد ذلك كله فيما بعد (١) .
_________________
(١) وصدق حافظ إبراهيم بقوله: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق والأخت مزرعة إذا أفسدتها أنبتَّ نخلًا سيىء الأعذاق
[ ٦١ ]
لذلك فقد استطالت مخالب أهل الانحلال للنيل من المرأة الطَّهور، وصاروا ينوّعون في أسلحتهم؛ فتارة يخاطبون عاطفتها الفطرية، لصرفها عما خُلقت عليه من العفه والطهارة، فيثيرونها بأساليب متنوعة تنتهي بها غالبًا إلى الضياع، وتارةً يخاطبون عقلها لحملها على اعتقاد ما يخالف دينها وتقاليدها، وإرساء بعض القيم التافهة في تفكيرها، لتكون المتمردة على كل ما يرضي الله ويحقق الفوز بأسرة كريمة، وتارة يُنشّطون مكامن الضعف البشري المادي لديها، لتكون نزّاعة إلى الهوى وزخرف الدنيا، ولو كان ثمن ذلك عزّة زوجها وأبيها، وعفّة نفسها ونقائها.
فمَن هؤلاء الذين يريدون للمرأة كل هذا؟
إنهم - ولا شك - دعاة التغريب والإفساد والانحلال، ربيبو التهويد، ممن مردوا على النفاق واتبعوا أهواءهم، الذين أهانوا المرأة فجعلوها مرتعًا خِصبًا للرذيلة والدسائس والخيانة، ومسلكًا أقرب للوصول إلى الأهداف الرخيصة المشبوهة، لكن هؤلاء حين أدركوا ما تتمتع به المرأة المسلمة من حصانة إيمانية راسخة، سارعوا إلى الالتفاف الفني عليها، محاولين طمس عقيدتها، وكسر شموخها إلايماني، وتفتيت كيانها المتماسك، ليخلعوا بذلك عنها لباس العفة والطهارة والقيم الإنسانية، وليلبسوها ثوب التمرد على شرع الله وعلى القيم الاجتماعية المسلمة، عبر مسرب الفن بشتى صنوفه.
ودونك - إن ارتبت في قولي - المسلسلات التي تستهين بالحجاب وتمجّد الاختلاط، وتُرغّب بالتمرد على الزوج والأسرة، وتدعو إلى إقامة علاقات مشبوهة مع الجنس الآخر، تشاهدها المرأة
[ ٦٢ ]
المسلمة كل يوم، فتتدرج بها من الرفض المطلق لهذه المحرمات، إلى عدم المعارضة لها، ومن ثم إلى القبول والرضا بها، ومن بعدها إلى الاعتقاد بأحقية كلِّ ما يُعرَض، وفي نهاية المطاف التردّي التامّ في مهاوي الهوى، فكم من البيوت انهارت وكم من أسر تناثر عِقدها، جرّاء تأثر المرأة المسلمة بالفن المدمّر.
يقول أحد الأزواج عن زوجه ومدى تأثرها بالفن: إنها تعلّمت منه كل سلبيات الزوجة، وتأثرت بكل ما شاهدته، لقد كانت في بادئ الأمر طيعة هادئة تحب الحوار فتحولت بعدها إلى نمرة مفترسة تصرّ على رأيها، حتى ولو كان خاطئًا!! كانت تعرف أنها امرأة عليها واجبات ولها حقوق كما شرع لها الإسلام، فأصبحت تحدثني عن حقوق المرأة كما يفهمها الغرب وينادي بها العلمانيون في الشرق (١) .