الفن التمثيلي وأثره في الناشئة
لقد أثبتت البرامج المعدّة للناشئة أن لها تأثيرات واضحة ومباشرة على سلوكياتهم، حيث إنهم سرعان ما تبهرهم المتغيرات من الصور، وبريق ألوانها، فتراهم قابعين، وكأن على رؤوسهم الطير، ساعاتٍ مديدة، أمام شاشات التلفزة أو الفيديو، يترقبون الأحداث، فتسلبهم كامل اهتمامهم وتفكيرهم، حتى بعد فترة المشاهدة، ومن ثمّ يتأثر سلوكهم بها - بطريق المحاكاة - سلبًا أو إيجابًا.
ويعتقد بعضهم أن هذه البرامج قد تُزوّد الناشئة ببعض المعلومات القيّمة، وترقى بمستوى تفكيرهم، والواقع أن اعتقادهم هذا مستلهم من تأثرهم بالأفكار السائدة في الغرب، الذي لا تحكمه ضوابط اعتقادية ولا خلُقية، فما أكثر الدراسات التي تحاول أن تثبت - بشكلٍ أو بآخر- إيجابيات ما يقدّم من برامج للناشئة، " ففي ملخص تقرير الحكومة الأمريكية عام ١٩٨٢م الذي يتعلق بالتأثيرات المترتبة على مشاهدة البرامج، والذي كان بمثابة محصّلة لجهود ما يقارب خمسة وعشرين عالمًا وباحثًا، وقد تضمن التقرير ثلاثة آلاف بحث ودراسة داخل الولايات المتحدة، وبعضها الآخر في أوروبا، استنتج هذا التقرير أن مشاهدة برامج التلفاز تساعد في تنمية القدرة الذهنية على التخيل والابتكار كما أنه قدم لنا دليلًا أكيدًا على مقدرة هذه البرامج على غرس القيم الاجتماعية المفيدة في نفوس الناشئة،
[ ٢٧ ]
وعلى تعويدهم السلوك الاجتماعي المرغوب" (١) وهذا لا يعني - بالضرورة - أن البرامج التلفازية ليس لها آثار سلبية على الناشئة على اختلاف معتقداتهم وبيئاتهم، وإن كان بعضهم قد يُرجع هذه السلبيات إلى الناشىء نفسه لحالته النفسية والفوارق الفردية بين الناشئة (٢) .
هذا ما تراه الدراسات المذكورة آنفًا التي لا تنطبق أساسًا على بيئتنا الإسلامية، فالطفل في البيئة الغربية قد يشترك مع الطفل المسلم، في كونه طفلًا وبمشاعر الطفولة واحتياجاتها، إلا أنه يفترق عنه في بيئته الاجتماعية، ومبادئه الدينية والخلقية، وسُلَّم ترتيب القيم لديه، إلا أن البرامج كلها تؤثر - سلبًا أو إيجابًا - في الناشئة على اختلاف مستوياتهم الذهنية والفوارق الفردية والاجتماعية فيما بينهم، وذلك بحسب البرنامج المعروض، وتوجهاته، وخلفيات وضعه وأهداف عرضه.
فالبرامج العربية - مثلًا- التي تُقدَّم للناشئة قد تحمل في طياتها توجهات فكرية واعتقادية - في بعض الأحيان - قد تستخفّ بعقلية الناشئ وما أودعه الله فيه من قدرات، حيث أصبح الترفيه هو الغاية، والرعب والخيال، والعنف والعدوان، والحب والجنس، هو محور تلك البرامج التي لا يتفق الكثير منها مع مبادئ التربية الإسلامية، بل إن بعضها الآخر لا يتفق والتصوّرات الإسلامية عن الإنسان والكون والحياة، ومنها أيضًا ما لا يرسّخ الولاء لله تعالى ولرسوله، ذلك-
_________________
(١) التلفزيون وتربية الطفل المسلم، مطابع الوفاء، المنصورة، عالية الخياط، ١٤١٠هـ، ص ١١.
(٢) المرجع السابق، ص١١، بتصرف.
[ ٢٨ ]
إن لم نقل- إنه قد يعارض ذلك.
ولعل لهذا أسبابًا قد تكون مقنعة في ظاهرها، من ذلك:
(١) أن القائمين على برامج الناشئة لم يدخلوا هذا المضمار ولم يركبوا هذا المركب الصعب إلا لتحقيق المكاسب الماديّة فقط، بغضّ النظر عن سلامة الأهداف والنتائج.
(٢) أنهم لم يتفهّموا شخصية الناشئ، بما أودع الله فيه من إمكانات نفسية، وعقلية وسلوكية، فتراهم يقدمون في بعض الأحيان ما يسيء إليه، دون دراية منهم بذلك ولا خبرة.
ويحسن الاستشهاد هنا بمقولة فريد التوني: «إذ نلحظ خلوها تقريبًا من الأهداف التربوية الإسلامية فهي لا ترمي إلا إلى التسلية والفكاهة، كألف ليلة وليلة، وحكايات السِّحر، وما شاكلها» (١) .
فالشاطر حسن والإبريق المكسور وغيرهما كثير، كلها من الإنتاج العربي، ومع ذلك فإنها لم تعمق المفاهيم الإسلامية، وإنما تم الاكتفاء بعرضها على أنها تراث فيه ما فيه من الحب والعشق والغرام مع تضمنها أحيانًا لبعض الأخلاقيات العامة. بل إننا نرى أن بعض البرامج العربية قد تجنح إلى ترسيخ المبادئ العصبية المنهي عنها، أو الهدامة المناقضة للإسلام وتعاليمه السمحة. ونحب أن ننوّه في هذا المقام بالسياسة الإعلامية المقررة في المملكة العربية السعودية التي أكّدت تأكيدًا جازمًا على منع كل ما يناقض الشريعة الإسلامية الغراء أو يشوه الفطرة النقية للناشئة (٢) .
_________________
(١) انظر: مجلة المجاهد، العددين (٣٣-٣٤) .
(٢) حبذا لو التزم الفنانون بذلك، وترجموا ذلك واقعًا ملموسًا يعكس الصورة المشرقة لما قررته هذه السياسة الإعلامية.
[ ٢٩ ]
وبين يديك أخي القارئ نص المادة الثالثة من أسس الإعلام السعودي: تدأب وسائل الإعلام على خدمة المجتمع، وذلك عن طريق تأصيل قيمه الإسلامية الثمينة، وترسيخ تقاليده العربية الكريمة، والحفاظ على عاداته الخيّرة الموروثة، ومقاومة كل ما من شأنه أن يُفسد نقاءه وصفاءه، وتعنى في دفع عجلة التنمية والتعاون مع المؤسسات المختصة في هذا المجال.
أما المادة الرابعة منه فتنص على الآتي: يؤكد الإعلام السعودي على أن الطفل فطرة نقية صافية وتربة خصبة، وأن صورة مجتمع الغد إنما تُلمَح من خلال طفل اليوم، لذا فعليه أن يولي برامج الأطفال التوجيهية والتثقيفية والترفيهية ما تستحقه من جهد واهتمام، ويقيم هذه البرامج على أسس تربوية علمية مدروسة، ويعهد بها إلى ذوي الاختصاص الدقيق في هذا المجال" (١) .
كل ذلك للحفاظ على فطرة الناشئ السليمة، وليكون رجل المستقبل الذي تبنى عليه الآمال، فهي رسالة ذات هدف عظيم، ومن هنا تبرز ضرورة فهم شخصية الناشئ وتغذيتها روحيًا وعلميًا، وكذلك فهم لغته الخاصة، لمخاطبته بها، وتوسيع مداركه في التعامل معه، فنقدم له ما يرقى به نفسيًا وعقليًا وسلوكيًا.
"إنه لا بد أن تكون الرسالة من أجل تنمية روح الطفل وعقله وتوسيع معارفه ومداركه عبر إعطاء المعلومات الصحيحة والمناسبة" (٢) .
ولذلك ينبغي أن تُرسم خطط وبرامجُ تتسم بالسمات الدينية
_________________
(١) التلفزيون وتربية الطفل المسلم، عالية الخياط، مرجع سابق، ص٥٥-٥٦.
(٢) جريدة "المسلمون" العدد ٢٧٩.
[ ٣٠ ]
والمعرفية والتربوية، وأن يكون ذلك مترافقًا مع بعض الترفيه المنضبط الذي لا يخالف ديننا ولا تقاليدنا، ليمكن بذلك تنمية مواهب الناشئة وتوجيههم نحو أهداف سامية.
كما "ينبغي الاهتمام بوجود إستراتيجية برامجية واضحة الأهداف والمعالم تنطلق من فكر إسلامي صحيح، وتهدف إلى تعميق الولاء لله ﷾ في نفس الطفل" (١) .
ومن الواجب ألاّ نقدم للطفل ما يرغبه هو، لأنه قد يختار ما يضرّه ولا ينفعه، ومن هنا تبدأ مرحلة الضياع، وتظهر الحالات المرضية في الناشئة، بدءًا بالاتكالية وعدم المبالاة، وانتهاءً بغياب الإبداع والابتكار، بل ينبغي أن يقدّم للناشئ ما يجب أن يتعلمه ويفكر فيه ويتعود عليه سلوكًا. فتقدّم له المعلومات الدينية والثقافية والفكرة الوجدانية واللمحة الترفيهية الهادفة، فتنمو لديه بذلك مَلَكة التمييز بين الغثّ والسمين والصحيح والسقيم، ليكون ذلك نَوىً تبنى عليها الآمال في استكمال إنجازات الأمة الإسلامية وحضارتها.