اتسم التلفاز العربي بتقديم برامج متنوعة عديدة في إطار فني، حيث احتلت هذه البرامج مساحات واسعة من البث (مقابلات مع فنانين وفنانات- مسلسلات- مسرحيات- أفلام وأغاني) وغيرها من البرامج ذات الاهتمام الفني التي ملأت الدنيا وشغلت الناس.
هذا الكمّ الهائل من البرامج الفنية يدعونا للتساؤل بحق عن الأسباب الكامنة وراء هذا الاهتمام الخاص بالفن في التلفزيونات العربية، ولعل من أهم هذه الأسباب:
(١) أن الإعلام المرئي ينساق وراء رغبات شريحة قليلة من أفراد الأمة لها تطلعات فنية، فيحقق لها ذلك بما يُعرف بالمنوعات وغيرها، حتى إنه قد تبنّى هذه التطلعات الفنية وجعلها محور سياسته الإعلامية.
_________________
(١) مصداق ذلك - لو شئت - مسرحيات: (الواد سيد الشغال)، و(جحا يحكم المدينة) وغيرها.
[ ٩٤ ]
وبذلك يكون قد أغفل فئات قد تكون هي الشريحة الكبرى في المجتمع، ولها اهتمامات أرفع مستوى حضاريًا، ثقافية وعلمية وحوارية متنوعة ذات أهداف إنسانية سامية.
(٢) جعل التلفاز محطة لتلبية الرغبات، رغبات المشاهدين مهما كانت وتحقيق شعار (الجمهور يريد هذا) و(ما يطلبه المشاهدون)، مع إغفال القيمة الأدبية والإعلامية لما يطلبونه، فلم يعد التلفاز هو الموجّه والمثقّف والمساهم في التقدم، وذلك على الرغم من وجود أكثرية في المجتمعات العربية تستهجن هذا المقدار الجمّ من العرض الفني.
(٣) الدوافع السياسية التي تلقي بثقلها المهلك على كاهل الإعلام بعامة، وعلى التوجهات الفكرية للإعلام المرئي بخاصة.
(٤) قابلية الإعلام العربي للانسجام مع عولمة السياسات الإعلامية الثقافية وما تُعِدّه من خطط وما تقدمه من برامج.
هذه بعض الأسباب - غير المقبولة - التي جعلت الإعلام المرئي يجيّش كل الطاقات للأمور الفنية، ويعرض لتفصيلات أمورها.
هذا مع العلم بأن هذا النوع من الإعلام قد لا يخلو من برامج نظيفة ومأمونة وهادفة، لكنها قليلة فيما لو قورنت بما يتاح من فرص كثيرة للبرامج الفنية.