ليست العولمة أمرًا جديدًا بل هي قديمة قِدم التاريخ، إلا أنها كانت سابقًا تأخذ حيزًا من الثقافات والسياسات المتنوعة، كما كانت محصورة ضمن أقاليم محدودة متجاورة، فقد كان كل إقليم يحاول التأثير على الإقليم الآخر ثقافيًا وسياسيًا وعسكريًا، لذلك فقد كانت الأقاليم المتقاربة أكثر تجاذبًا وتفاعلًا إيجابًا أو سلبًا من الأقاليم المتباعدة.
إلا أن مفهوم العولمة اليوم لم يعد مقتصرًا على إقليم دون آخر، بل العولمة في هذا العصر تعني تعميم كل شيء ثقافي وسياسي واجتماعي.. وعلى كل دول العالم دون استثناء.
لذلك فقد دأبت الدول الكبرى على الهيمنة على صناعة السينما العالمية فصدّرت الكثير من أفلامها. "ولو ألقينا نظرة سريعة على ما تعرضه أكثر التلفزيونات العربية لراعنا ما يعرض فيها ولرأينا العجب العجاب؛ إذ إن معدل ما يعرض من الأفلام الأجنبية في أكثر هذه الدول هو فيلم واحد أو أكثر في اليوم على أقل تقدير، ناهيك عن المسلسلات والسهرات والبرامج الترفيهية" (١) .
إن تصدير الأفلام الغربية إلى الدول الإسلامية لم يكن يومًا لأجل كسبٍ مادي فقط، وإنما لأجل هدف معنوي خطير، وهو:
_________________
(١) مجلة المجتمع، العدد ٩٢٨ بتصرف..
[ ١٠٨ ]
تغريب الشعوب الإسلامية وهدم معتقداتها وتضليلها، ومن ثَمَّ صياغتها صياغة غربية تتوافق مع منطلقات وتوجهات الغرب بعيدًا عن شريعة الله الخالدة، وعندئذٍ تترسخ التبعية التامة للغرب.
وقد أشار إلى هذا الهدف الخبيث المستشرق وليم جيفر بلجراف حين قال: "متى توارى القرآن ومكة والمدينة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يندرج في سبيل الحضارة الغربية ". بل إن مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيغنيو بريجنسكي دعا في أحد كتبه إلى تصدير نمط الحياة الأمريكية كالجينز وموسيقا البوب والجاز والهمبرغر وغيرها إلى بلاد العالم، وذلك كجزء من حرب الحضارة الغربية ضد الحضارات والثقافات الأخرى. وهي الأمور التي أشادت بها مجلة أمريكية مرموقة مثل تايم، وعدّت أنها أحسن ما في أمريكا وأفضل ما قدمته للعالم (١) .
ويقول الدكتور عدلي رضا في أطروحته عن التلفزيون المصري: "إن ما يُقدَّم فكريًا من خلال دراما المسلسلات يجعلنا تحت سيطرة الغزو الفكري، حيث إن أغلب ما يقدّم هو أعمال أمريكية في قالب مصري".
ويقول بخصوص الاستيراد: "تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول التي تعتمد عليها مصر في استيراد الأفلام والمسلسلات حيث تبلغ نسبتها ٩٢.٧٧% من حجم المستورد" (٢) .
ومن هنا أخذ الغرب وأتباعه يصنعون ممثلين ومخرجين عالميين لتلبية متطلبات التغريب، وقد موّلوا كثيرًا من الأفلام التي تخدم
_________________
(١) مجلة المجتمع، العدد ٨٢٥.
(٢) مجلة المجتمع، العدد ٨٢٥.
[ ١٠٩ ]
أهدافهم، وقد أقيمت المهرجانات الدولية السينمائية والفنية بعامة لتكريم من يسهم في تغريب الأمة عن معتقداتها وخصوصياتها، مثل مهرجان القاهرة الدولي، ومهرجان القارات الثلاث، وغيرهما.