التمثيل لغةً: (مِثْلُ) كلمة تسوية، يقال: هذا مِثْلُه ومَثَلُه كما يقال: شِبْهُهُ وشَبَهُهُ بمعنىً. ومثَّل له الشيء: صوّره حتى كأنه ينظر إليه، ومثّلت له كذا تمثيلًا إذا صوّرت له مثاله بكتابة وغيرها. ومثَّل الشيء بالشيء: سوّاه وشبّهه به (٢) .
هذا عن التمثيل في اللغة، أما في الاصطلاح فقد عرّف به كثير من الأدباء والمفكّرين بتعريفاتٍ عدةٍ استغرقت كل جوانب العملية التمثيلية من بدايتها حتى نهايتها، فعرّفه الأستاذ أحمد الزيات بقوله: "هو تمثيل طائفة من الناس لحادث متحقَّق أو متخيَّل، لا يخرج عن حدود الحقيقة أو الإمكان" (٣) . وعرّفه صاحب المعجم الأدبي بأنه "أداء الأدوار المسرحية التشخيصية "، (٤) كما عرّفه عبد السلام آل عبد الكريم بأنه " محاكاة شخص لآخر حقيقي أو خيالي قصدًا ". ثمّ عرّف الممثل بأنه "القائم بأعمال
_________________
(١) انظر: المعجم المفصّل في اللغة والأدب، إميل بديع يعقوب وميشال عاصي، مرجع سابق، ص ٩٥٧. والأصول الجمالية للفن الحديث، حسن محمد حسن، مرجع سابق، ص ١٤٦.
(٢) لسان العرب، ابن منظور، مادة (مثل) مرجع سابق، ج٦ ص ٤١٣٢، ٤١٣٥.
(٣) حكم ممارسة الفن صالح الغزالي، مرجع سابق، ص ٢٨٦.
(٤) المعجم الأدبي، جبور عبد النور، دار العلم للملايين، بيروت، ط٢، ١٩٨٤م، ص٧٨.
[ ١٧ ]
التمثيل أمام الجمهور" (١) .
ومن خلال استقراء التعريفات السابقة للتمثيل يتبين لنا أنه يقوم على مجموعة من الأمور، هي:
(١) وجود قصة ولو قصيرة، أو حادثٍ يمكن محاكاته، سواء أكان واقعًا أم متخيَّلًا.
(٢) وجود من يمثّل الواقعة وهم الذين يُسمّون بالممثلين، وهم طائفة اختارت التمثيل هواية أو حرفة.
(٣) وجود قواعد فنية يلتزم بها أهل التمثيل.
(٤) القصد من التمثيل: التأثير.
هذا هو التمثيل اصطلاحًا، فما جذوره التاريخية، وما موضع نشأته؟
"تمتد جذور التمثيل إلى العصر الإغريقي، وتعاليم الكنيسة النصرانية القديمة - قبل الإسلام -، كما صرح بذلك جماعة من علماء الأدب" (٢) .
"وفي أيام الدولة العباسية لم يترك العرب علمًا من العلوم اليونانية إلا نقلوه، واطلعوا عليه، واشتغلوا به؛ ما خلا الأدب، فإنهم استغنَوْا بما لديهم، فلم تصل إليهم ملاحم اليونان، ولا قصصهم التمثيلية " (٣) .
_________________
(١) إيقاف النبيل على حكم التمثيل عبد السلام آل عبد الكريم، دار العاصمة، الرياض، ١٤١١هـ، ص١٠.
(٢) المرجع السابق، ص ١٠.
(٣) أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث، بطرس البستاني، دار صادر، بيروت، ط ٣، ص٣٠٨-٣١٠.
[ ١٨ ]
"فلم يعرف المسلمون هذا العمل منذ قيام دعوة نبينا محمد ﷺ حتى قبل خمسين ومائة عام- تقريبًا- يوم انفتح الشرقيون على علوم الغرب وحضارته وثقافته، عندئذ اكتسبوا هذا العمل منهم، وتعلموا أصوله وقواعده في مدارسهم، ثم نقلوه إلى بلادهم الإسلامية ليكون نواة لما نشاهده الآن من تمثيليات دينية وغير دينية" (١) .
فالتمثيل بمعناه الحديث لم تعرفه اللغة العربية إلا في أواسط القرن الماضي. وكان اللبنانيون أسبق الشرقيين إلى اقتباسه، لتخرُّجِهم في المدارس الأجنبية، ودراستِهم للآداب الفرنجية (٢) .
ونظرًا لحداثة الأمر بالنسبة للمسلمين فقد تباينت الآراء حول التمثيل وموقف الإسلام منه، ولا أود الخوض في هذا الجانب فليس يتسع المقام لذلك، وقد خصصت ملحقًا له، إلا أن هذا لا يمنعنا من الحديث عن أهداف الفن، وتلمّس الجوانب الإيجابية فيه، ونحن عندما نتكلم عن أهداف الفن فإننا نقصد الفنّ التمثيلي الجائز المؤسَّس على أقوال العلماء الثقات واستنباطاتهم، فيمكن - والحال هذه - أن تكون لهذا النوع من الفن أهداف سامية نابعة من واقع الأمة الإسلامية وضروراتها في التربية والتوعية ومعالجة مشكلات الواقع.