إن مما يورث الحسرة في النفس، تضافر الأعمال الفنية المعاصرة على مغايرة الحلول الناجعة للقضايا الملِحّة التي تُطرح واقعًا في المجتمعات، فنراها تحضّ على اتخاذ الخليلة عند خوف الشقاق بين الزوجين، بدل الإصلاح أو الطلاق، وتصوِّر الطلاق على أنه إن لم يكن محرمًا فقد قارب ذلك، وكذلك توهم الشاب أن الزواج يكاد يكون مستحيل التحقق نظرًا لغلاء المهر، والمؤونة الباهظة للإقدام عليه، بدءًا بهدية الخطوبة - الشبكة - وانتهاء بتعليم الأولاد في الجامعات والتزام تجهيز البنات، وذلك بدلًا من الحث على التقليل من المهر، والتيسير في النفقات المترتبة على الزواج، هذا ناهيك عن تصوير الرشوة والمحسوبية للتوظيف على أنها حتمية للحصول على الحقوق المكتسبة، والإيهام بأن الطريق الأوحد لتحصيل الثروات الطائلة لا بد أن يمر عبر المحرمات؛ كالتهريب والغش ونشر الرذيلة، فالجميع في هذه الأعمال الفنية يريد أن يعيش مترفًا، فلا يوجد ألبتة من يقنع بما قسمه الله له من رزق، فالفقر- غالبًا- معيب عند كُتّاب هذه الأعمال، والشباب عندهم في تيه فاق (تيه بني إسرائيل) ! فلا شغل لديهم إلا النادي والسهرات والحفلات والرقص، والهزء المستمر بالجيل القديم المتشدد الذي لم يدرك بعدُ بأن الدنيا قد تطورت، وبأن الجيل الجديد هو الذي يفقه الحياة، ويعرف كيف يتمتع بها، فالحياة قد تطورت عندهم، لكن تطوّرها صائر دومًا إلى الفساد!! وهكذا يمر جيل بعد جيل
[ ٢٢ ]
ليعيب كلٌ سابقَه، وبذا يبقى الإفساد مستمرًا نظرًا للمتغيرات الاجتماعية والحضارية بزعمهم، ولا يخفى على الأريب من أمثالك - أخي القارئ - ما لهذا التوجّه من أثر بالغ في ترسيخ مفهوم نظرية النشوء والارتقاء وأن البقاء للأصلح، فالدنيا في تطور مستمر، فليس يهمّ إن كان التغيير نحو الأسوأ، ولكن المهم هو ديمومة التغيير!!
هذا، وسوف أبيّن في طيات بحثي سمات الفن المعاصر وما يقدمه للمجتمع، من ناحية الموضوع، وطريقة العرض، والأسلوب، وقبل الخوض في ذلك كله، كان لا بد من التساؤل عن خلفيات هذا الفن، وأثره في فكر الناس وحياتهم، وعن القائمين عليه، من هم؟ وماذا يريدون؟ ومن الذي أسبغ عليهم لقب "فنانين"؟
وإلى أولئك الذين يوجّهون الفنّ المعاصر ويختطّون له وِجهته نطرح التساؤل التالي ونترسّم الإجابة عنه، متوسّمين بفِطنة القارئ الكريم: ما هي رسالة الفن المعاصر؟ أهي النهوض بالأمة، أم العمل على تدمير مُقوِّماتها الدينية وتقويض دعائم فضائلها؟!!
ولعلك أخي الكريم، بقراءتك لفصول هذا الكتاب تخرج بإجابة جليّةٍ وواقعية، وذلك من خلال رصد نزيه متجرد، لواقع الفن التمثيلي المعاصر ولحال القائمين عليه.
****
[ ٢٣ ]