الحمد لله.
الحق ــ إن شاء الله ــ أن التشهُّد الأول فرض، بمعنى أن تركَه عمدًا مبطلٌ للصلاة، وتركَه سهوًا موجبٌ سجودَ السهو. والدليل على فرضيته هو الدليل على فرضيَّة التشهد الثاني.
وأما كون النبي - ﵌ - تَرَكَه مرَّة وسجد للسهو، فذلك لا ينفي فرضيته بالمعنى الذي قلنا، كما أن كونه سلَّم مرَّة قبل التمام ثم رجع فأتمَّ وسجد للسهو لا ينفي كون السلام قبل التمام مُبطل (^١) لو وقع عمدًا، وهكذا زيادة ركعة. بل فعله - ﵌ - ذلك دليل على الفرضيَّة إذ لم يثبت أنه سجد للسهو إلا لفعلِ ما يبطل عمدُه.
وقد قال إسحاق بن راهويه في الصلاة على النبي - ﵌ - في التشهُّد الثاني: إنها فرض بهذا المعنى، أي أنَّ تركها عمدًا مبطل للصلاة بخلاف تركها سهوًا.
وقول أصحابنا: إنه سنَّة، دعوى لا دليل عليها، بل قد أبطلناها. ونزيد فنقول: إن كانت سنَّة فلماذا سجد النبي - ﵌ - لِتَرْكها؟ وما الفرق بينها وبين دعاء الافتتاح والتعوُّذ والتكبيرات وأذكار الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين؟
ولم يأتوا بفرق إلا أنه نُقل عن الغزالي أن التشهد الأول من الشعائر
_________________
(١) كذا في الأصل، والوجه: «مبطلًا».
[ ٢٤ / ٢٤٩ ]
الظاهرة المخصوصة بالصلاة وليس ما تقدَّم مثل ذلك.
فيقال له: إنْ أردتَ بالشعائر الظاهرة ما لها صورة فهذا خاص بالجلوس لا بالتشهُّد، فلو جلس (^١) ولم يتشهَّد لا يسجد للسهو، وأنتم لا تقولون به.
وأيضًا فإنّ جلسة الاستراحة كذلك، وأيضًا فـ «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» كذلك لأنه يُجهر بها. وإن أردتَ غير ذلك، فما هو؟
فإن قلتَ: «الظاهرة» لغو، والمقصود الشعائر الخاصة بالصلاة، فـ «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» كذلك، وجلسة الاستراحة كذلك.
وإن أردتَ أن الخاص بالصلاة هو لفظ التشهُّد، فإن «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» مثل [ذلك]؛ لأن كلًّا منهما ذِكرٌ لم يُشْرَع إلا في الصلاة، ومع ذلك لو قاله إنسان في غير الصلاة لم يُمنع.
وقول غيره: الفرق بين التشهُّد وبين غيره ممّا مرَّ أنه بعضٌ، فلذلك ألحقت به الأبعاض في السجود للسهو عند تركها.
فيقال له: وما البعض؟
قالوا: السنن التي تُجْبَر بسجود السهو.
فيقال لهم: هذا دور! إذا سألناكم الدليل على أن هذه الأشياء تُجبر بسجود السهو، قلتم: لأنها أبعاض، فإذا سألناكم الدليل على أنها أبعاض دون غيرها، قلتم: لأنها تُجبر بسجود السهو. والحاصل أنهم لم يأتوا بشيء!
فأما القنوت في الصبح فهو غير مشروع أصلًا، كما بيَّن أهل العلم أدلَّة ذلك.
_________________
(١) في الأصل: «فإذا لو جلس».
[ ٢٤ / ٢٥٠ ]
وأما الصلاة على النبي - ﵌ - في التشهُّد الأول، فالصواب ــ إن شاء الله تعالى ــ أنها غير مشروعة أصلًا لما جاء في حديث ابن مسعود، و[] (^١).
وهم إنما يثبتونها بالقياس، ولا قياس مع النصِّ، على أن القياس في العبادات ضعيف جدًّا.
ثم إن الحديث الذي يستدلون به على الأمر بالصلاة على النبي - ﵌ - في التشهُّد الأخير= يدلُّ أنها إنما شُرعت لتكون مقدِّمة للدعاء، ولا دعاء في التشهُّد الأول. وأيضًا فذلك الحديث يدل على عدم ركنيَّتها في التشهُّد الثاني؛ فإن النبي - ﵌ - لم يأمر المصلِّي الذي لم يأت بها بالإعادة.
فإن قلتم: كان جاهلًا. قلنا: الجاهل لا يُعذر في ترك ركن من الأركان.
فإن قلتم: لعلَّه كان في نفل. قلنا: كان الظاهر أن يبيِّن له النبي - ﵌ - ركنيَّتها حتَّى لا يتركها مرَّة أخرى في الفرض أو في نفل فيأتيَ بصلاة غير صحيحة، وهي حرام، ولو نفلًا. على أن ذلك الرجل يحتمل أنه ترك أصل التشهُّد؛ فإن قوله - ﵌ -: «إذا قعدت فاحمد الله بما هو أهله، وصلِّ عليَّ ثم ادعه»، فأول التشهد: «التحيَّات لله والصلوات والطيبات»، وهذا حَمدُ الله (^٢).
ثم: «السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته»، وهذه صلاة عليه - ﵌ -؛ لأن الرحمة هي الصلاة كما ترجمها هو - ﵌ - بذلك فقال: «اللهم صلِّ
_________________
(١) بياض في الأصل بمقدار أكثر من سطرين.
(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: «حمدٌ لله».
[ ٢٤ / ٢٥١ ]
على محمد، وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك »، أراد - ﵌ - قولَ الملائكة لأهل بيت إبراهيم [في] قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ (^١) حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
ثم: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وهذا الدعاء.
وغاية ما في الأمر أن يثبت به أن الصلاة على النبي - ﵌ - بلفظ الصلاة مأمور به في التشهُّد الثاني. وهذا ــ مع عدم بيانه - ﵌ - الركنية ــ يصدق بالفرضية على ما قال إسحاق.
فوُجد فرق بين التشهُّد والصلاة على النبي - ﵌ -، فلا يجوز مع ذلك قياسها عليه لإثبات مشروعيتها في الجلوس الأول.
ثمَّ إنهم أثبتوها في القنوت بغير نصٍّ من الإمام، بل قياسًا على ثبوتها في التشهُّد، وهذا قياس على مقيس، وهو ضعيف جدًّا.
على أنه لا مشابهة بين القنوت والتشهُّد، هذا فضلًا عن كون القنوت لم يثبت من أصله.
نعم، احتجُّوا بما رواه النسائي (^٢) عن الحسن بن علي في قنوت الوتر،
_________________
(١) في الأصل: إنك، سبق قلم.
(٢) (١٧٤٦)، وفي الكبرى (١٤٤٧ و٨٠٤٧). قال النووي في «الخلاصة»: (١/ ٤٥٨): إسناده صحيح أو حسن. وحسَّنه ابنُ الملقن في «تحفة المحتاج»: (١/ ٤١٠). وضعَّفه الحافظ ابن حجر بالانقطاع، وبالاختلاف في إسناده. انظر «التلخيص»: (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
[ ٢٤ / ٢٥٢ ]
وفيه: «وصلَّى الله على النبي». فعلى العين والرأس ما ثبت عن رسول الله - ﵌ -، ولكن هذا الحديث فيه اضطراب معروف.
وهبْه صحَّ، فإن أصل القنوت في الصبح لم يصحَّ. وهبه صحَّ، فمن أين زدتم الصلاة على الآل؟
قالوا: قياسًا على الصلاة عليه - ﵌ -. قلنا: قياس مسلسل، ومع ذلك لِمَ لم تفعلوه في التشهُّد الأول؟
قالوا: التشهُّد الأول مبني عل التخفيف. قلنا: والاعتدال عندكم ركن قصير يبطل تطويله.
قالوا: قياسًا على التشهُّد الثاني. قلنا لهم: تارة تقيسونه على الأول وتارة على الثاني؟ ! فاختاروا أحدهما! إما أن تقيسوه على الثاني وتقولوا: هو ركن، فلا تجبروه بسجود السهو، أو على الأول فلا تزيدوا فيه الصلاة على الآل.
ثم بالغوا فقالوا: «وصحبه» مع أن الصلاة على الصحب ليست مشروعة في الأول ولا في الثاني!
قالوا: قياسًا على الآل. قلنا: ما جعل هذا القياس المسلسل أولى من القياس المباشر؟ أعني إثباتها في الثاني.
ثم إن هذه الزيادات التي جلبتموها جعلتموها كلها تُجبَر بسجود السهو، مع أن سجود السهو إذا وقع لغير سببٍ مبطلٌ، فكيف تجرؤون على شرع المبطل لمثل تلك التمحُّلات؟
[ ٢٤ / ٢٥٣ ]
والحاصل أن القنوت من أصله لم يثبت، فكفى الله المؤمنين شرَّ القتال.
وسجود السهو ليس له إلا سبب واحد، وهو فعل ما يُبطل عَمْده ولا يُبطل سهوه، ولو احتمالًا، أعني بأن لم يتيقَّن فعل المبطل ولكنه شكَّ في فعله.
ثمَّ قالوا: إذا قرأ الفاتحة أو السورة أو التشهد أو الصلاة على النبي - ﵌ - في غير محلها، سجد للسهو على تفريعٍ في ذلك. ولا دليل لهم على هذا.
قالوا: لأنه يدل على عدم الاعتناء بالصلاة بحيث شبَّه ترك التشهد الأول. قلنا: أما التشهُّد الأول فقد ثبت أن تركه عمدًا مبطل، ونَقْل تلك الأشياء غير مبطل. ثم لِمَ لم تقولوا في أذكار الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين مثل ذلك؟
والظاهر أنَّ أول من طرق ذلك إنما قاسها على السلام قبل التمام؛ فإنه ركن وقع في غير محلِّه، فقاس عليه الفاتحة والتشهُّد والصلاة على النبي - ﵌ -. ولكن المتأخرين لم يوجِّهوه بذلك، لعلمهم أن السلام قبل التمام إنما سُجد له لكون فِعْله عمدًا مبطلًا، لا لإيقاعه في غير محلِّه، فوجهوه بما وجهَّوا، وألحقوا بعض ما يناسب توجيههم، ولم يجرؤوا على إلحاق الجميع خوف الشناعة.
فالحق
_________________
(١) إن شاء الله تعالى في سجود السهو أنه إنما شُرع لترك التشهُّد الأول، وللسلام قبل التمام، وللزيادة، أو الشك فيها. ومن يقول بالقياس فيُلحق بها كلَّ شيء أبطل عمدُه لا سَهْوُه، سواء أكان فعلًا أم تركًا.
[ ٢٤ / ٢٥٤ ]
وإذًا فلا معنى للسجود لعمد تلك الأشياء؛ إذ قد تبيَّن أن عمدها مُبطل، فأما الشكُّ فإنه لا يتصوَّر عمده.
ثمَّ الحق في سجود السهو أنَّه فرض لأنه تداركٌ لفعل مبطل، إلا أن البطلان سقط لأجل السهو.
والظاهر ــ والله أعلم ــ أن تارك الشيء منها جهلًا لا يُؤمر بسجود السهو لحديث الرجل الذي علَّمه النبي - ﵌ - الصلاة عليه؛ فإننا نختار أن الصلاة عليه - ﵌ - في التشهد الثاني فرض لا ركن، وهذا هو مذهب إسحاق.
وأيضًا في حديث معاوية بن الحكم أنه تكلَّم في الصلاة، ولم يأمره النبي - ﵌ - بالسجود للسهو مع أنَّ عمد الكلام مبطلٌ. قالوا: إنما لم يأمره لأنه كان مأمومًا، والمأموم يتحمَّل عنه إمامه. قلنا: وما دليلُ أنَّ المأموم يتحمَّل عنه إمامه؟ لم نجد لهم دليلًا في ذلك (^١).
* * * *