تمهيد: من المعلوم في الشريعة الإسلامية أن الناس جميعًا سواسية كأسنان المشط؛ لأنهم من أب واحد وأم واحدة، وإنما يفضل الفاضل منهم بتقوى الله وحده، كما قال تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وفي الحديث: «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى» رواه أحمد. الناس لآدم وآدم من تراب، ويتجلّى هذا المعنى في الخطاب الديني للمكلفين، كما في اجتماع المصلين على إمام واحد وإقامة الصف وسدّ الخلل فيه، وكذلك اجتماع الصائمين في صيامهم في زمن واحد؛ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وأيضًا اجتماع الحجيج بسمت واحد وزيّ واحد، كل هذا في صورة مشرقة للوحدة والمساواة والعدالة، لا فضل لأبيض على أسود، ولا لغني على فقير، كلهم أمام الله سواء إلا بالتقوى.
ولقد قال النبي – ﷺ –: (من ادعى بدعوى الجاهلية فهو من جثا جهنم) فقال رجل: يا رسول الله؛ وإن صلى وصام؟ قال: (وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سمّاكم المسلمين المؤمنين؛ عباد الله) رواه أحمد وغيره.
وفي تصفّح لذاكرة التأريخ – لا سيّما عصر صدر الإسلام، وخصوصًا مع سيّد ولد عدنان ﷺ – نجد أن النبي – ﷺ – أرفعَ الناس قد تزوّج بزينب بنت جحش بعد مولاه زيد، بل هو الذي زوّجها بزيد من قبل رغم أنها قرشيّة وأمها هاشميّة، وأشار النبي – ﷺ – لفاطمة بنت قيس القرشيّة أن تقبل بنكاح أسامة بن زيد الذي قد استفاض أنه وأباه من الموالي ولا أحد أنصح لفاطمة من رسول الله ﵊، وفي الحديث: «يا بني بياضة أنْكِحُوا أبا هندٍ وأنْكِحُوا إليه» رواه أبو داود وصحّحه ابن حجر. وأبو هند كان حجّامًا وبنوا بياضة أسرة من أسر الأنصار وهم أزديّون من أشرف العرب، وأخرج البخاري في التاريخ الكبير عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال، ومن المتقرر أن
عبد الرحمن زهريّ قرشيّ، وبلال حبشي عتيق لأبي بكر الصديق ﵃ أجمعين.
[ ٦ ]
وثبت عند البخاري وغيره عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس – وكان قرشيًّا ممن شهد بدرًا قد تبنى سالمًا – ولمّا كبر سالم أنكحه أبو حذيفة ابنة أخيه الوليد بن عتبة، وسالم هذا إنما هو مولى لامرأة من الأنصار، ولهذا من المقرر في الشرع تكافؤ الناس وتساويهم في أنسابهم، ولهذا عمل الصدر الأول من هذه الأمة بقاعدة تكافؤ الناس في أنسابهم وإذا كان هذا حال الصحابة – ﵃ – الذين لم يعيروا للعرقيّة والقبليّة اهتمامًا زائدًا وخارجًا عن حدود الشرع فهل الذين يميّزون بين الناس على أساس العرق والنسب سبقوا الصحابة إلى خير؟!
وعمومًا فإني قبل الشروع في حكاية مذاهب العلماء في مسألة تكافؤ النسب في الزواج يجب أن تعلم أن للزوجة أن ترد من شاءت ممن تقدم لطلب الزواج بها
ولا يجب عليها الموافقة على أحد بعينه ولو كان صالحًا وأنها لو ردت أحد من غير طبقتها لا تُلام على ذلك كأن تجد نُفرة طبيعية منه بسبب اختلاف العرق أو العادات والتقاليد ونحو ذلك ولكن بلا تحقير ولا تعالي على من تقدم لها، وعلى هذا فالمقصود في حقيقة حكم اشتراط الكفاءة في النسب في الزواج فيما لو كانت المخطوبة والخاطب يريدون الزواج مع عدم تكافؤ النسب، ولتفصيل المسألة فإليك مايلي: