فأما قنوته شهرًا بعد النازلة فبيّن، قد سبقت الأدلة بذلك.
وأما استمراره بالقنوت ما دامت النازلة نازلة، وتركه إذا أدبرت.
[ ٨٩ ]
فلحديث أبي هريرة - ﵁ - قال:
"أن النبي قال: «اللهم نجّ الوليد بن الوليد، اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجّ المستضعفين من المؤمنين».
قال أبو هريرة - ﵁ -:
"ثم رأيت رسول الله - ﷺ - ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسول الله - ﷺ - قد ترك الدعاء لهم؟ قال: قيل: «وما تراهم قد قَدِموا».
[أخرجه البخاري رقم (٤٣٢٢) دون قول أبي هريرة، ومسلم (٦٧٥) وغيرهما].
فهذه نازلة، وإن لم تكن صاعقة، لكن النبي - ﷺ - قنت حتى فُرّج هم المسلمين، ونُفّست كربتهم، فلما قَدِمَ مَنْ قدم من مكة من هؤلاء المستضعفين، ترك رسول الله - ﷺ - الدعاء.
قال ابن حبان (٥ - ٣٢٥) عقب حديث رقم (١٩٨٦):
"كان - ﷺ - يقنت على المشركين، ويدعو للمسلمين بالنجاة، فلما أصبح يومًا من الأيام ترك القنوت، فذكر ذلك أبو هريرة
[ ٩٠ ]
فقال - ﷺ -: «أما تراهم قدموا» ففي هذا أبين البيان على صحة ما أصلناه".
قال في المغني (١ - ٧٨٨ من الشرح):
"فإن نزل بالمسلمين نازلة، فللإمام أن يقنت في صلاة الصبح نص عليه أحمد، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين نازلة، قنت الإمام وأمّن من خلفه، ثم قال: مثل ما نزل بالمسلمين من هذا الكافر -يعني: بابك- قال أبو داود: سمعت أحمد يُسأل عن القنوت في الفجر فقال: لو قنت أيامًا معلومة ثم يترك كما فعل النبي - ﷺ -، أو قنت على الخرمية، أو قنت على الدوام، والخرمية: هم أصحاب بابك ".
فإن قال قائل: قد قلتم بمشروعية القنوت لغير النازلة الصاعقة كذلك، كالدعاء للمجاهدين والأسرى، والدعاء على الظلمة والطواغيت، ولا يخفى عليكم، أن الحروب والفتوح والغزوات والظلمة .. كل ذلك كان على عهد النبي - ﷺ - وأصحابه، ولم يداوموا على القنوت، لمداومة الحروب، فمن أين لكم أن يُقنت بين الحين والحين؟
[ ٩١ ]
وقد ذهب بعضهم إلى هذا.
قال ابن العربي (): "ورأي أحمد بن حنبل أن قنوت النبي - ﷺ - إنما كان لسبب فيما كان ينزل بالمسلمين، والأحكام إذا كانت متعلقة بالأسباب زالت بزوالها، ورأي مالك والشافعي أن ذلك من كلب العدو، ومقارعته معنى دائم فدام القنوت بدوامه".
قلت: هذا كلام وجيه لكن هذه الأمور التي ذكرت من أسباب مشروعية القنوت كانت على عهد رسول الله - ﷺ -، ومع ذلك لم يداوم على القنوت إذا استدامت، ولذلك قلنا بعدم الديمومة عليه، وهذا هو المذهب الوسط الذي يجمع بين حديث أنس بن مالك - ﵁ -: "أنه كان لا يقنت إلا إذا أراد أن يدعو على قوم، أو يدعو لقوم"، وحديث أبي هريرة السابق: "لأقربن صلاة رسول الله، فقنت"، وغيرهما مما سبق ذكره، كل هذا يدل على أنه: كان يقنت أحيانًا، ويترك أحيانًا.
ومعلوم أن النبي - ﷺ - دعا في قنوته بعد أحد يلعن فلانًا وفلانًا، وسيأتي تخريجه.
ودعا لنجاة المستضعفين في مكة، وكم في الأرض في زماننا من مستضعفين، وكم في عصرنا من مسجونين، فرج الله همهم،
[ ٩٢ ]
ونفس كربهم، ومكنهم في الأرض لإصلاحها، إنه على ذلك قدير.
قال ابن القيم في الزاد (١ - ٢٧٢):
"والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه - ﷺ - جهر وأسر، وقنت وترك، وكان إسراره أكثر من جهره، وتركه القنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم، وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت ".
والحقيقة: أن هذه سنة متروكة، وطريقة مهجورة، وهي القنوت لحاجة المسلمين، كالدعاء لهم بالنصر والفرج، وما شابه ذلك.
وعلى أئمة المساجد الذين يحبون إحياء سنن رسول الله - ﷺ - أن يحيوا هذه السنة التي دثرت، وأن يعلموا أن اتباع رسول الله - ﷺ - خير لهم من اتباع مذهب زيد، أو عمرو، وإرضاء من يصلي خلفهم، وعسى الله تعالى أن يقيض لهذه السنة من يحييها.
[ ٩٣ ]
مسألة رقم (٥):