استدل القائلون بديمومة القنوت في الفجر بأدلة، إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة.
منها: حديث أنس - ﵁ - قال: "مازال رسول الله - ﷺ -؟ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا". [أخرجه أحمد (٣ - ١٦٢) والبيهقي (٢/ ٢٠١) والدارقطني (٢/ ٣٩) والطحّاوي (١٣٥٤) وعبدالرزاق (٤٩٦٤)].
وفي رواية عند الدارقطني:
"أن النبي - ﷺ -؟ قنت شهرًا يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الحياة".
وقد أخرجه كلّهم من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس به.
وأبو جعفر الرازي هو: عيسى بن ماهان.
قال أحمد والنسائي فيه: ليس بالقوي.
وقال أبو زرعة: يهِم كثيرًا.
[ ٦٠ ]
وقال ابن حبان: يحدث بالمناكير عن المشاهير.
وقال الحافظ: صدوق سيء الحفظ.
والربيع بن أنس: صدوق له أوهام.
قلت: فهذا الحديث فيه ثلاث علل:
الأولى: سوء حفظ أبي جعفر، وكان قد اختلط أيضا.
الثانية: أوهام الربيع.
الثالثة: نكارته، لمخالفته لما صحّ عن أنس وغيره في الصحيحين وغيرهما، من أن النبي - ﷺ -: "لم يكن يقنت إلا إذا أراد أن يدعو ". ويصلح هذا الحديث لأن يكون مثالًا للمنكر.
وأخشى أن يكون قوله: "فأما الصّبح " مدرجًا من قول أبي جعفر؛ لتفرده بذلك عن الثقات، الذين رووا هذا الحديث دون هذه الرواية.
والحديث المنكر هو: مخالفة الضعيف للثقات، وعلى هذا، فزيادة هذه الرواية من قبل ضعيف، تعتبر منكرة، ويكون فيها علة رابعة، وهي نكارة قوله: "فأما الصبح ".
[ ٦١ ]
وقد أسهب ابن القيم -﵀- في الزاد (١ - ٢٧٥) في بيان ضعف هذا الحديث ونكارته، ثم قال: "ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإن القنوت يطلق على القيام، وتطويل هذا الركن: قنوت، وتطويل القراءة: قنوت، وهذا الدعاء المعين: قنوت، فمن أين لكم أن أنسًا إنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت؟ ".
قلت: هذا التوجيه يصلح في الرواية الأولى، ولا يصلح في الرواية الثانية؛ لأنه قرنها بقنوت النازلة، مما أفاد مقصده، وهو القنوت بمعنى الدعاء.
وأحسن منه ما قاله الحافظ في (الدراية رقم ٢٤٦:
"ويجمع بين هذا، وبين حديث أنس الماضي: "ما كان يقنت إلا إذا دعا لقوم أو على قوم" بأن مراده إثبات قنوت النوازل، ولهذا أنكر على من أطلق قوله: "ثم تركه" على أنه إذا حمل قوله: ثم تركه -أي ترك الدعاء- على أولئك النفر بعينهم، فلم يبق بين الأحاديث تعارض، والله أعلم".
قلت: يعني بعبارة أوضح: أن أنسًا - ﵁ - خشي حين أخبرهم أن رسول الله - ﷺ - قنت شهرًا ثم تركه، خشي أن يفهموا أن
[ ٦٢ ]
الترك كان البتة، وأنه لم يقنت بعد ذلك أبدًا! فأخبرهم أن الترك كان لتلك الحادثة، وأن القنوت ما زال قائمًا لم ينسخ، بل كان رسول الله - ﷺ - يقنت في الفجر عند النوازل إلى أن فارق، والله أعلم.
ويؤيد هذا التوفيق -الذي لا يردّه متأمّل- ما ورد في رواية الطحاوي (١٤٥٨) والدارقطني (٢ - ٣٩)، أن قول أنس - ﵁ -: "مازال رسول الله - ﷺ - " كان جوابًا لمن أنكر استمرار القنوت في النوازل، إذ قال السائل لأنس: "إنما قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا " أي فحسب، وانتهى الأمر، فأجابه أنس: "مازال رسول الله - ﷺ - يقنت " أي: للنوازل، ولم ينسخ بتركه مرة، فبهذا يتضح مقصود أنس - ﵁ - والحمد لله.
قلت: كل هذا التوفيق بين الأحاديث عن ابن القيم، والحافظ، وما ذكرته، على فرض صحة الحديث، أما وقد بان ضعفه، فلا حاجة للتوفيق، فإن التوفيق فرع التصحيح، كما هو معلوم.
[ ٦٣ ]
ثم لو فرضنا صحة سنده، لكان متنه شاذًا؛ لمخالفته لمن هم أكثر عددًا، وأوثق رواية، وهم الذين نفوا قنوت رسول الله - ﷺ - على الدوام، إلا إذا أراد أن يدعو على قوم، أو يدعو لقوم.
وقد روى الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان، قلنا لأنس: "إن قومًا يزعمون أن النبي - ﷺ - لم يزل يقنت في الفجر فقال: كذبوا، وإنما قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا واحدًا يدعو على حي من أحياء المشركين" (١).
قلت: وهذه قاصمة الظهر لمن يحتج برواية أنس في دوام القنوت في الفجر.
وقيس بن الربيع، وإن كان فيه كلام، فهو أحسن حالًا من أبي جعفر الرازي.
وأصل حديث أنس - ﵁ - هذا في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "إنما قنت رسول الله - ﷺ -؟ شهرًا يدعو على ناس قتلوا ناسًا".
_________________
(١) عزاه الشوكاني للخطيب (٢/ ٣٤٦).
[ ٦٤ ]
قال ابن القيم في الزاد (١ - ٢٧٩):
"فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه - ﷺ - القنوت دائمًا، وقول أنس - ﵁ -: فذلك بدء القنوت مع قوله: قنت شهرًا، ثم تركه" دليل على أنه أراد بما أثبته من قنوت النوازل.
وأما احتجاجهم بما اتُّفق عليه، من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: "والله أنا أقربكم صلاة برسول الله - ﷺ - فكان أبو هريرة - ﵁ - يقنت في الركعة من صلاة الصبح ".
فقد أجاب ابن القيم -﵀- (١ - ٢٣٤) فقال: "ولا ريب أن رسول الله سنه، وهذا رد على أهل الكوفة، الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل، وغيرها، ويقولون: هو منسوخ، وفعله بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء، وبين من استحبه على الدوام، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين".
قلت: وهكذا تجد أهل الحديث في كل مسألة، هم فيها وسطًا، وسنة الرسول - ﷺ - لهم مسلكًا.
[ ٦٥ ]
ومما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم، الروايةُ الأخرى لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال:
"لأقربنّ صلاة النبي - ﷺ -؟ فكان أبو هريرة - ﵁ - يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين". [أخرجه البخاري ومسلم وقد سبق تخريجه].
[ ٦٦ ]