ولقد تتبعت آثار الصحابة، فلم أجد أثرًا صحيحًا صريحًا في رفع الأيدي في قنوت الوتر، وإنما الثابت رفعهم أيديهم في قنوت النازلة، فظن من ظن أنه قنوت الوتر، وما كان من الروايات صريحًا في رفعهم الأيدي في قنوت الوتر، فلا تخلو من مقال، قد رواها البيهقي (٢ - ٢١١) وضعفها.
وروى ابن نصر في قيام الليل (٣٢٠ من المختصر) رفع اليدين في قنوت رمضان، عن أبي هريرة، ولكن المختصر حذف الإسناد، ولهذا ذهب كثير من أئمة السلف إلى منعه.
وأخرج ابن أبي شيبة (٦٩٥٤) من طُرق عن ليث، عن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -:
"أنه: كان يرفع يديه في قنوت الوتر".
وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، والأسود وابنه: ثقتان معروفان.
وأخرج عبد الرزاق (٤٩٩٨) من طريقين عن الزهري قال:
"لم يكن يرفع الأيدي في الوتر في رمضان".
[ ١٤٦ ]
وأخرج ابن نصر في (قيام الليل) (٣٢٠ مختصر) عن الحسن ﵀:
"أنه كان لا يرفع يديه في القنوت، ويومي بأصبعه".
وأخرج عن سعيد بن المسيب: (٣٢٠) قوله: "ثلاثة مما أحدث الناس، اختصار السجود، ورفع الأيدي في الدعاء، ورفع الصوت".
وأخرج (٣٢٠ مختصر) عن الوليد بن مسلم -﵀- قال: سألت الأوزاعي عن رفع اليدين في قنوت الوتر فقال:
"لا ترفع يديك، وإن شئت فأشر بأصبعك".
فهؤلاء ثلاثة من أئمة التابعين وكبارهم يرون بدعية الرفع.
غير أنه ورد عن كثير من السلف الرفع.
منهم الأئمة: عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم النخعي، وهو مذهب الأحناف.
وكأنهم -﵏ جميعًا- رأوا أن القنوت دعاء، والدعاء ترفع فيه الأيدي، وقد رفع رسول الله - ﷺ - يديه في قنوت النازلة.
والقاعدة: إذا اختلف العلماء، ينظر الراجح بالرجوع إلى الأصل، والأصل يؤكد الترجيح السابق في عدم رفعها في الصلاة
[ ١٤٧ ]
الفردية؛ لعدم ثبوتها، ورفعها في قنوت رمضان؛ لثبوتها، لأنه دعاء جماعي، فأشبه دعاء النازلة.
لكن يشكل على هذا، ما قال شيخنا الألباني -﵀- في الإرواء (٢ - ١٨١):
"وثبت أي الرفع عن عمر في قنوت الوتر".
لكن هل ثبت عنه في قنوت الوتر، أو قنوت وتر رمضان؟
ولم أعثر عليه، فإن كان الأمر كذلك، وثبت عن ابن الخطاب فهو فصل الخطاب.
وأما الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - فيه:
فقد أخرج النسائي (١ - ٢٥٢) زيادة الصلاة على النبي - ﷺ - في دعاء قنوت الوتر، من طريق موسى بن عقبة، عن عبد الله بن علي، عن الحسن بن علي، قال:
"علّمني رسول الله - ﷺ - " ثم ذكر الدعاء الذي مرّ في أول الباب.
قال الحافظ في التلخيص ردًا على النووي الذي حسّنه (ص ٩٤):
[ ١٤٨ ]
"قلت: وليس كذلك فإنه منقطع" ثم ذكر ما يشبه الاضطراب، فليراجعه من شاء التفصيل.
وقال شيخنا العلامة الألباني -﵀- في الإرواء (٢ - ١٧٦):
"قلت: ولذلك قال العز بن عبد السلام في الفتاوى (ق/٦٦/ ١) عام (٦٩٦٢): "ولم تصحّ الصلاة على رسول الله - ﷺ - في القنوت ولا ينبغي أن يزاد على صلاة رسول الله - ﷺ - شيء" ثم عقب على ذلك بقوله: "وهذا الحق الذي يشهد به كل من علم كمال الشريعة وتمامها، وأنه - ﷺ - ما ترك شيئًا يقربنا إلى الله إلا وأمرنا به".
ثم قال: "ثم اطلعت على بعض الآثار الثابتة عن بعض الصحابة، وفيها صلاتهم على النبي - ﷺ - في آخر قنوت الوتر، فقلت بمشروعية ذلك".
قلت: لكن هذه الآثار تدل على أن الصلاة على النبي - ﷺ - منهم إنما كان في القنوت الجماعي، لا الفردي؛ لأنه أشبه بقنوت النازلة، إذ كانوا يدعون للمؤمنين، ويدعون على الكافرين، وقد ذُكرت في باب رمضان فلتراجع.
[ ١٤٩ ]
أما القنوت في صلاة الوتر الفردية، فيبقى على الأصل، وهو المنع من ذلك التزامًا بهديه - ﷺ -، وعدم ثبوت ذلك عن أحد من الصحابة - ﵃ -.
[ ١٥٠ ]