ما ورد عن جمع من الصحابة، ومنهم أنس، وابن مسعود -﵄-: "أنه - أي: النبي - ﷺ - قنت شهرًا ثم تركه".
فإن الاستدلال بهذا العموم والإبهام، لا يستقيم لهم على نسخ سنّة ثابتة عن رسول الله - ﷺ -، تواتر عن النبي - ﷺ -، وعن الصحابة فعلها، حتى بعد تركه القنوت على قتلة القرّاء.
وقول بعض الصحابة - ﷺ -: "ثم تركه" لا يفيد أبدًا أن هذا يعني النسخ، ومتى كان ترك النبي - ﷺ - لفعل فعله يعني النسخ؟ !
_________________
(١) هم بعض الحنفية من أهل الكوفة، انظر زاد المعاد لابن القيم (١/ ٢٧٤).
[ ٤٩ ]
وغاية ما يعني فعله - ﷺ - لأمر، وتركه أحيانًا: مشروعية فعله وتركه.
ومعني قولهم: "ثم تركه" أي: قنت شهرًا -لحادثة بئر معونة- ثم توقف عن القنوت في تلك الحادثة، لا لأنه منع القنوت ونسخه للأبد.
وإذا كان الترك نسخًا؟ ! فهل كل ما ترك رسول الله - ﷺ - فعل أمر فعله كان منسوخًا؟ ! ألم يترك رسول الله - ﷺ - صلاة التراويح جماعة، فهل صارت منسوخة؟ ! وجاهد رسول الله - ﷺ - ثم توقف، فهل يعني هذا نسخ الجهاد؟ ! إن غاية ما يفهم من الترك جوازه، وهذا القول هو الظاهر البين، الذي دلت عليه أحاديث القنوت ورواياته، والقول بذلك أخذ بجميع النصوص، وتوفيق بينها، وذلك خير من دعوى النسخ.
وكذلك قال معظم الأئمة. (١) (٢)
ثم إن دعوى النسخ مردودة، بأن النبي - ﷺ - استمر بالقنوت.
_________________
(١) البخاري (٧٦٤) ومسلم (٦٧٦).
(٢) راجع الموسوعات الحديثية الفقهية كالاستذكار لابن عبد البر، والمصنفين لعبد الرزاق وابن أبي شيبة، والأوسط لابن المنذر، ونيل الأوطار للشوكاني.
[ ٥٠ ]
وبفعل الصحابة - ﵃ - بعد وفاته، دون منازع البتة، وقد مرت تلك الروايات عن النبي - ﷺ -، وعن الصحابة، وستمر إن شاء الله.
ومنها حديث أبي هريرة - ﵁ - في الصحيحين: "لأقربن لكم صلاة رسول الله" (١) وقنوت عمر، وابن عباس، وابن مسعود، - ﵃ - وغيرهم.
فلو كان منسوخًا لقال بذلك ولو صحابي واحد.
ثم إن علة القنوت هي الدعاء للمؤمنين، أو على الكافرين: "كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد" (٢) وهذه العلة قائمة ما دام على وجه الأرض المسلمون والكافرون، وإذا شرع أمر، أو جاء حكم لعلة دائمة، فلا يصار إلى النسخ أبدًا.
_________________
(١) البخاري (٧٦٤) ومسلم (٦٧٦).
(٢) رواه ابن خزيمة في صحيحه (٦٢٠، ٦١٩).
[ ٥١ ]