وجوب الاتباع وأهميته
ومهما يكن من أمر الدعاء وأهميته، فإن للاتباع السهم الأوفى، والقدح المعلى، إذ لا يقوم دين، ولا يستقيم أمر، ولا تصلح طاعة، ولا تقبل عبادة، إلا بالاتباع، بعد حسن النية والإخلاص.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
قال أهل العلم: لا يكون العمل صالحًا حتى يكون مطابقًا هدي رسول الله - ﷺ - وهو ما يعبر عنه أحيانًا: بالسنة والاتباع، وإذا لم يكن صالحًا فالعمل مردود، ولو كان صاحبه ذا نية حسنة.
فحقيق -إذًا- أن نكرر هذا الموضوع ونؤكده، ونبين معالمه ونفصله؛ لما له من الأهمية الكبرى.
قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُون﴾ [الأنعام: ٢].
[ ٢١ ]
وقال - ﷺ -:
«من رغب عن سنتي فليس مني» (١).
وقال ابن مسعود - ﵁ -:
«اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق» (٢).
والعتيق هو: الأول الأصيل.
قال - ﷺ -:
«صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣).
ويعني ذلك: الاتباع، ومقتضاه ولازمه أن نصلي لله كما صلّى رسولنا - ﷺ -، وأن نقنت كما قنت، وأن ندعوكما دعا، وأن نجاهد كما جاهد، وأن نقيم دولة الإسلام كما أقام، وأن نتخلّق بأخلاقه - ﷺ -، وأن نقتدي بأصحابه الذين لهم الحظ الأوفى بعد الرسول - ﷺ - في الاتباع، رضوان الله عليهم أجمعين.
وإلاّ كنّا عن السنّة معرضين، وعن الصراط ناكبين، ولطريق الاعوجاج سالكين.
_________________
(١) البخاري (٦/ ١١٦) مسلم (رقم ١٤٠١).
(٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ٦) وابن وضاح في البدع (١٠) وغيرهما.
(٣) البخاري [١/ ١٥٥] ومسلم (رقم ٦٧٤).
[ ٢٢ ]
ولذلك أمر الله باتباع سبيله، ووصى بذلك، وحذر من مغبة الخروج عنه إلى السبل، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
إن طول العهد، والبعد عن النبع الصافي، كدر الماء، وأسن المجرى، وغير طعمه، فماتت في كثير من البلدان السنة، وأحييت في كثير منها البدعة، واختلطتا في بلدان أخرى، فتشابه على الناس الأمر، وغشي الحق غياية قاتمة من التعصب والتساهل، والغلو والجفاء.
ومن أعظم مفسدات الاتباع: التقليد الأعمى، وتقديم آراء الرجال على السنة، واتباع هوى الناس وعاداتهم المخالفة لشرع الله.
فلا تغلبنّك عوائد الناس عن الاتباع، ولا يدفعنك إرضاء الناس إلى هجر السنة والابتداع، فأحي السنة ما حييت، وأمت البدعة ما استطعت.
فوالله ما أفسد اليهود والنصارى إلا الابتداع، وما أبقى دين الإسلام بعد فضل الله إلا بقية من اتباع.
[ ٢٣ ]
ووالله لن يقوم للإسلام قائمة إلا بالاتباع، ولن يستقيم أمر هذه الصحوة إلا بالاتباع، ولن نتمكن في الأرض إلا بالاتباع.
ويوم ترى السنن قد أحييت، وقُدمت على أهواء الناس وعوائدهم، ويوم ترى البدع أميتت، والعوائد المخالفة للشرع دفنت.
ويوم ترى الناس يسعون في طلب العلم، لا طلب السفساف والترهات، من اتباع لسياسة الكافرين، وفكر المُحَدِثِينَ، مخالفين بذلك سبيل النبي - ﷺ - وصحبه والمؤمنين، يوم ترى ذلك، يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، يوم ينصرون سنّته، ويتبعون طريق نبيّه، ويقتفون أثر أصحابه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وإن لم يكن نصر الله هو نصر دينه، والعمل بأحكامه، واتباع نبيه - ﷺ -، والاقتداء بصحابته - ﵃ -، فلا نصر لله أبدًا.
والاتباع أعم من أن يكون محصورًا في عبادة، أو عملًا بسنة، بل هو شامل جميع جوانب الدين، وسبيل سيد المرسلين.
[ ٢٤ ]
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [يوسف: ١٠٨].
ومن لم يكن بالرسول مقتديًا، ولمنهج الصحابة متبعًا، كان مبتدعًا.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٠].
ولقد كان للاتباع هذا الأهمية، والابتداع هذه الخطورة؛ لأن باب الهداية الاتباع، وباب الضلالة الابتداع.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[ ٢٥ ]