وهو أن الآية إنما أشارت إلى معنى دقيق، وهو: أن ليس لك يا محمد - ﷺ - أمر في هدايتهم وإضلالهم، وأن لعنك لن يقدم
[ ١١٦ ]
ضلالًا، ولن يبعد هدايةً، وأن الأمر كله بيد الله وحده، يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء.
قال القرطبي (٤ - ١٩٩):
"قال علماؤنا: قوله ﵇: «كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم» استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به: وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ تقريب لما استبعده، وإطماع في إسلامهم، ولما أطمع في ذلك قال - ﷺ -: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (١).
قلت: ولا يستبعد أن يكون في الآية إشارة إلى أن على المسلم أن يتجنب الدعاء على معين، وألا يستبعد هداية الله لأحد مهما فعل، ومهما كفر، فقد تاب الله على هؤلاء المذكورين، وهداهم للإسلام.
فقد روى الترمذي (رقم ٣٠٠٥) بسند على شرط مسلم، عن ابن عمر - ﵁ -: "كان رسول الله - ﷺ - يدعو على أربعة فنزلت، قال: وهداهم الله للإسلام».
_________________
(١) البخاري (٨ - ٥١) ومسلم (١٧٩٢)
[ ١١٧ ]
قال ابن حبان -﵀- في صحيحه عند حديث رقم (١٩٨٨) (٥/ ٣٢٧) من الإحسان:
"هذا الخبر قد يوهم من لم يمعن النظر في متون الأخبار، ولا يفقه في صحيح الآثار، أن القنوت في الصلوات منسوخ، وليس كذلك؛ لأن خبر ابن عمر الذي ذكرناه أن المصطفى - ﷺ - كان يلعن فلانًا وفلانًا، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فيه البيان الواضح لمن وفقه الله للسداد، وهداه لسلوك الصواب، أن اللعن على الكفار والمنافقين في الصلاة غير منسوخ، ولا الدعاء للمسلمين، والدليل على صحة هذا، قوله: - ﷺ - في خبر أبي هريرة: «أما تراهم وقد قدموا؟» تُبَيِّنُ لك هذه اللفظة، أنهم لولا أنهم قدموا، ونجاهم الله من أيدي الكفار؛ لأثبت القنوت - ﷺ - وداوم عليه، على أن في قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. ليس فيه البيان بأن اللعن على الكفار أيضا منسوخ، وإنما هذه الآية فيها الإعلام بأن القنوت على الكفار، ليس ما يغنيهم عما قضي عليهم أو يعذبهم، يريد: بالإسلام
[ ١١٨ ]
يتوب عليهم، أو بدوامهم على الشرك يعذبهم، لا أن القنوت منسوخ بالآية التي ذكرناها".
قلت: وهذا هو الراجح، فإن المتأمل لهذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ لا يجد فيها نهيًا صريحًا، وإنما يجد أدبًا رفيعًا، ومنهجًا قويمًا، في معالجة قضية النصر والهزيمة، فإن الآية نزلت في سياق أُحد، وما حصل في أحد، فتأثر المسلمون لما حصل تأثرًا بليغًا، وراح رسول الله - ﷺ - يلعن بعض الكافرين ويقول: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم» وكأنه - ﷺ - قطع طريق الهداية على أولئك النفر الذين فعلوا ما فعلوا، وخشية أن يعتقد المسلمون أن السبب الأول والرئيس للهزيمة، هو: هؤلاء الملعونون، وليس مخالفة الرسول - ﷺ - والتنازع؛ أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
ثم ذكر الله بعد ذلك الأسباب الحقيقة الكامنة وراء الهزيمة.
فقال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا
[ ١١٩ ]
تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]
فهذه هي الأسباب الحقيقية وراء هزيمتكم، فلا ينفعكم لعن فلان لجلب نصرٍ، ولا استبعاد الهداية عن فلان لدفع هزيمة.
ثم إن في دندنة المسلم بلعن الكافرين صرف عن المقصود الأول، وعن الحكمة البالغة من الهزيمة، وهي تربية النفس، وإعادة البناء، والتنبه إلى وحدة الصف، وأهمية ذلك في النصر.
قال القرطبي (٤ - ٢٠٠):
"زعم بعض الكوفيين أن هذه الآية ناسخة للقنوت، وليس هذا موضع نسخ، وإنما نبّه الله تعالى نبيّه - ﷺ - على أن الأمر كلّه لله، يتوب على من يشاء، ويعجل العقوبة لمن يشاء".
قلت: ومما يدل على هذا المعنى الدقيق العظيم في الآية، ما أتبعها الله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩] وفي هذه الآية تعقيب ظاهر على قوله سبحانه:
[ ١٢٠ ]
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي أن ملكية السماوات والأرض وما فيها من المخلوقات، والبشر، وغيرهما، هي لله، وأن أفعال الله من غفران وتعذيب وغيرها، هي النافذة بحكمة وعدل.
ومهما يكن من أمر، فإن لعن الكفار، وتحميلهم نتائج الهزيمة وحدهم دون أنفسنا، لا ينفعان في تربية، ولا يعينان في إعداد، ولا يغنيان في شيء، فضلًا عن ما في ذلك من مخالفة لهدي النبي - ﷺ -.
وهذه قضية منهجية، جديرة بالتأمل والإنصاف من قبل بعض الجماعات الإسلامية، التي أشغلها لعن الكفار وأعمالهم، عن تربية أنفسهم وإعدادها.
ومن نافلة القول أن نقول: إن كيد أعداء الله لا يرد باللعن والسب، وحكاية ما هم عليه من الكيد والمكر، وما يفعلون بالمؤمنين، مما يوهن عزائمهم، ويثبط هممهم، وإنما يكون باتباع منهج القرآن وسنة رسول الرحمن - ﷺ - اللذين يعتمدان في بناء الفرد على الإيمان والتزكية، والعلم والتربية، مع الإشارة إلى الكفار وأعمالهم، والتحذير والحذر منهم بالجملة، على القاعدة
[ ١٢١ ]
المنهجية:
"يفصل في أحوال المسلمين، ويجمل في أحوال الكافرين".
ثم إن في الآية معنى تربويًا آخر، وهو: أنه يخشى من لعن الكفار في مثل هذه المناسبة، أن يظن ضعاف الإيمان، والذين في قلوبهم مرض، أن الكفار إنما غلبوا المؤمنين بقوتهم وشدتهم لا بتقصير المسلمين أنفسهم، الأمر الذي يُضْعِف الإيمان بالله، وبأن النصر بيده سبحانه، ويصرف المؤمنين عن تربية أنفسهم، وسد ثغراتهم، فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: أن الأمر بيده، والنصر بيده، والهزيمة بيده، والهداية بيده، والإضلال بيده.
وكذلك نُبّه الناسُ جميعًا، وضعافُ النفوس والإيمان بخاصّة، إلى هذا الأمر المهم بقوله سبحانه:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩] أي: حذار أن يخطر ببالك، أن الكفار غلبوا عجزًا من الله.
قال ابن كثير -﵀- في تفسيره لهذه الآية: ﴿ولا تحسبن﴾ يا محمد - ﷺ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: فاتونا، فلا
[ ١٢٢ ]
نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرتنا، وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا".
وهذا على قراءة ﴿ولا تحسبن﴾.
وعلى قراءة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ أي: لا يخطر ببال الكفار أنفسهم، ولا يظنّوا -ولو مجرّد ظن- أنهم يغلبون المؤمنين قهرًا لنا، وفواتًا منا، وعجزًا، كلاّ! بل هم تحت قدرتنا، وهزيمتهم سهلة علينا، ولكن لله حِكَم بالغة، ومقاصد سامية، لا يدركها كثير من الناس، إلا المؤمنين الموقنين.
وفي كل قراءة، معنى لطيف عند التأمل، وللمسألة تفصيل منهجي، ذكرناه في كتاب المنهاج يسر الله إنجازه.
[ ١٢٣ ]