الحمد لله الذي قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
والصلاة والسلام على القائل: «الدعاء هو العبادة» (١).
أما بعد:
فهذا جزء في أحكام القنوت: قنوت الحاجة والنازلة، وقنوت الوتر، وقنوت رمضان.
ولقد دفعني إلى هذا البحث، إحياء السنة، وما رأيته من مخالفات كثير من المسلمين للسنة الصحيحة، إهمالًا لها، أو جهلًا بها، أو تعصبًا لغيرها.
ولم ألتزم فيه مذهبًا معينًا من المذاهب المتداولة، سوى ما صح في السنة وقام عليه الدليل، وثبت من عمل السلف رضوان الله عليهم، وهذا الذي أمر الله به.
_________________
(١) صحيح، أخرجه الخمسة وغيرهم، وقال الحافظ في الفتح: سنده جيّد.
[ ٣ ]
قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
ولقد أبى الله سبحانه إلا أن يكون في الناس، وفي معظم الأمور طرفان ووسط، فإما غال، وإما جاف، وقليل أولئك المتوسطون، جعلنا الله وإياكم منهم.
ومسألة القنوت لم تنج من هذا التطرف، فمن الناس من هو معرض عنها، جاف لا يعرفها، ولا يفعلها البتة، لا في نازلة، ولا في غيرها، الأمر الذي حرم الناس من العمل بالسنة، بل دفعهم إلى هجرانها.
ومنهم مغالٍ فيها يفعلها كل يوم، ممّا أوقع الناس في الابتداع، وذلك موجب التقليد، وأخذ بعض النصوص دون بعض، وكذلك مواقف الناس من الأئمة الأربعة وغيرهم -رضوان الله عليهم- فإما غال في بعضهم، يقدم أقوالهم على ما ثبت في الكتاب والسنة، وإما جاف عنهم، غامز بهم، معرض عما عندهم من الحق.
والمهتدي من هداه الله إلى العدل والوسط.
[ ٤ ]
والعدل، والوسط، والصواب الذي أُمرنا به: هو اتباع الكتاب والسنة، هذا هو الأصل، أما أقوال الأئمة والمذهبية والتقليد فهي تبع لذلك، وليست أصلًا فيه، وهذا هو الفرق بين الاتباع المحمود، والتقليد المذموم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
ويجب أن يكون هذا الاتباع على مسلك العلماء الأخيار من السلف الأبرار، وبخاصة الأئمة الأعلام.
وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وأن نكون غير متعصبين لأحد منهم، فلا معصوم إلا الرسول - ﷺ - ولا مستغنين عن علمهم وأصولهم، وأفهامهم، وقواعدهم، ومنهجهم.
[ ٥ ]
«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» (١).
فهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، أنار الله بهم المحجة، وهدى الله بهم الأمة، وأمر بالاقتداء بهم، وبلزوم منهجهم، ولم يأذن بتقديم أقوالهم على كتابه وسنة رسوله - ﷺ - إذ لم يعصم أحدًا منهم.
فمن استغني عنهم ضل، ومن عصمهم زل.
وليس المقصود عصمتهم بلسان المقال، فهذا لا يفعله إلا الضّلال، وإنما رد السنة بأقوالهم، هي عصمة عملية، وهي لا تقل مفسدة كثيرًا عن أختها.
هذا؛ وقد عمدت إلى ذكر نص المسألة على الوجه الصواب، ثم أتبعتها بالأدلة، وتفصيل الآراء.
وقد قدمت بين يدي البحث شعاعين.
الأول: في أهمية الدعاء.
_________________
(١) رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن صجيح.
[ ٦ ]
الثاني: في معنى الاتباع وأهميته.
ولم أشأ أن يكون بحثًا مفصلًا في كل مسألة، ولذلك لم أكثر من الروايات، بل اكتفيت بما يُكتفى به، ولا تتبعت من خالف السنة، وذلك حرصًا على عدم التطويل، والانشغال بالقال والقيل، عن إبراز السنة الصحيحة والعمل بها، ولكي يكون الكتاب قريبًا من عامة المسلمين، ليحيوا هذه السنة التي ماتت، أو كادت، في كثير من بقاع المسلمين، فإن التطويل والدخول في الردود يَذْهَبُ ببهاء السنة، ويشغل عنها، ويدفع العامي للملل.
والمسلمون بأشدّ الحاجة إلى ردّهم إلى السنة، أكثر من حاجتهم إلى بحوث مفصّلة، تبقى لطبقة دون طبقة! ولعل من أسباب عزوف العامة عن السنة والاتباع، عدم وجود كتب تناسبهم، وهذا الذي دفعني في مؤلفاتي إلى الكتابة في مستوى شباب الصحوة، وعامة المسلمين، لكي ينتفعوا بما يكتب، بعيدًا عن التطويل الممل، والردود المشغلة، والتعقيد في الأسلوب، والألفاظ الصعبة.
[ ٧ ]
والله أسأل أن يوفقنا للسداد، وأن يلهمنا الصواب، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وأن ينفع بها المسلمين، وأن يفقه المؤمنين بدينهم، وأن يمكن لهم في أرضهم، إنه أهل ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عدنان بن محمد العرعور
[ ٨ ]