عن أبي مالك الأشجعي - ﵁ - قال:
"قلت لأبي: يا أبت، قد صلّيت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، ها هنا بالكوفة، خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بنيّ، محدث".
وهذا إسناد صحيح، أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٢، ٦/ ٣٩٤) والنسائي (٢/ ٢٠٠) والترمذي (٢/ ٢٥٢/٢) وابن ماجة (١/ ٣٩٣) وابن أبي شيبة (رقم ٦٩٦١) وغيرهم من طرق كثيرة صحيحة عن أبي مالك، وبعض طرقه على شرط الصحيحين.
وفي رواية النسائي قال:
"صليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف عليّ فلم يقنت، ثم قال: يا بنيّ بدعة".
وقد ثبت عدم المداومة على قنوت الفجر كذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وكانوا لا
[ ٥٥ ]
يقنتون في الفجر إلا في نازلة، أو حاجة، وكان بعضهم ينكر المداومة عليه.
أما أثر ابن عمر، فرواه مالك عن نافع قال:
"إن ابن عمر - ﵃ - كان لا يقنت في شيء من الصلاة".
[أخرجه مالك في الموطأ (رقم ٣٧٩)].
قلت: وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة برقم ٦٩٧٨، ٦٩٧٠ و٦٩٧٧٠ و٦٩٩١ و٦٩٩٨ وعبد الرزاق ٤٩٥٢، ٤٩٥٤، ٤٩٥٠، من طرق عن أبي الشعثاء قال: سألت ابن عمر عن القنوت في الفجر فقال: "ما شعرت أحدًا يفعله".
قوله: "لا يقنت في شيء من الصلاة".
أي: على سبيل المداومة، لا على سبيل النفي المطلق، لورود قنوت ابن عمر - ﵁ - في الوتر، وغيره، وقد وضّحت رواية أبي الشعثاء السابقة المقصود.
وكذلك رواية سعيد بن جبير "أنهما -أي ابن عمر، وابن عباس- لا يقنتان في الفجر".
وأما أثر ابن مسعود:
[ ٥٦ ]
فقد أخرجه الطبراني في الكبير (٩٤٢٨ و٩٤٢٩ و٩٤٣١ و٩٤٣٢) وأخرجه ابن أبي شيبة (٦٩٠٤ و٦٩٦٦ و٦٩٦٧ و٦٩٦٨) وعبد الرزاق (٤٩٦٦ و٤٩٦٧ - ٤٩٦٨ و٤٩٤٩).
من طرق كثيرة عن علقمة والأسود وغيرهما -بألفاظ متقاربة- قالوا:
"كان عبد الله لا يقنت في شيء من الصلوات، إلا في الوتر قبل الركعة" أي: قبل الركوع.
وفي ألفاظ أخرى: "كان لا يقنت في الفجر".
وهذا أثر غاية في الصحة، وبعض أسانيده على شرط الصحيحين.
وقوله: "لا يقنت في شيء من الصلوات" أي: على الدوام، أو دون سبب.
وأما أثر ابن عباس:
فأخرجه ابن أبي شيبة (٦٩٧٦ و٦٩٧٠) وعبد الرزاق (٤٩٥٣).
وإسناد عبد الرزاق صحيح رجاله كلهم ثقات.
[ ٥٧ ]
وكذلك إسناد ابن أبي شيبة رجاله رجال الصحيحين غير عمران بن الحارث فهو ثقة من رجال مسلم.
وأما أثر أنس:
فقد أخرجه البخاري (٢/ ٤١) ومسلم (٦٧٧) وأبو داود (١٤٤٤) و(١٤٤٥) والنسائي (٢ - ٢٠٠) وابن أبي شيبة برقم (٦٩٧٩ و٦٩٨٠ و٦٩٨١).
وأما أثر أبي هريرة: فقد مر بك، وهو قوله:
"كان رسول الله - ﷺ -؟ لا يقنت في صلاة الصبح، إلا أن يدعو لقوم أو يدعو على قوم" وقد سبق تخريجه ص (٢٨).
وثمّت آثار كثيرة، من طرق مختلفة، عن أصحاب رسول الله - ﷺ - في عدم قنوتهم في الفجر إلاّ عند النوازل، أو عند الحاجة، قد أعرضت عنها خشية الإطالة، وما ذكرنا فيه الكفاية، لمن أراد الإنصاف والاتباع، ومن أراد تتبعها فعليه بمصنف ابن أبي شيبة بدءًا من رقم (٦٩٠٠)، ومصنف عبدالرزاق رقم (٤٩٤٥).
[ ٥٨ ]
فهذا أبو أبي مالك الأشجعي (١) صاحب رسول الله - ﷺ - وهو امرؤ قد صلّى خلف رسول الله - ﷺ - وهو ابن عشر سنين، وصلى وراء الخلفاء الراشدين جميعهم، سنين طويلة، لم يسمع أحدًا منهم يقنت في الفجر بغير سبب، ومعه ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ﵃ أجمعين.
فهل يعقل أن يترك هؤلاء الصحابة -ومنهم الرّاشدون- مثل هذا الأمر لو كان سنة عن المصطفى - ﷺ - مع تصريح هذا الصّحابي، وغيره ممن ذكرنا، ببدعيته، وانعدام المخالف لهم.
وإذا لم يكن هذا إجماعًا، فليس في الإسلام إجماع!
_________________
(١) واسمه طارق بن بشيم بن مسعود الأشجعي وكانت له صحبة «الإصابة» (٣ - ٢٨٠)، وقد سبق ذكر حديثه ص (٣٥)
[ ٥٩ ]