ذهب بعض أهل العلم إلى سنية المداومة على القنوت في صلاة الفجر، محتجين بالأحاديث السابقة: "أن النبي - ﷺ - قنت في صلاة الفجر " ولا خلاف في أنه قنت في الفجر، ولكن الخلاف في ديمومته عليه! والروايات التي احتجوا بها على المداومة هي بين صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح! .
ولم يثبت عن النبي - ﷺ - بدليل صحيح صريح، أنه - ﷺ - داوم على القنوت في صلاة الفجر، لحاجة أو لغير حاجة، وبنازلة أو بغير نازلة، بل لم يثبت فعله لغير حاجة، وحَسْبُ المتَّبِع هذا الدليل، أعني: عدم مداومة الرسول - ﷺ - عليه في صلاة الفجر، وبلغة علم الأصول: "التَرْك حجة على التَرْك" على التفصيل المعروف في أصول الفقه؛ لأن عدم تعبد النبي - ﷺ - بعبادة ما، دليل وحجّة على عدم جواز فعلها، فإن الأصل في العبادات الاتباع، وكل ما لم يكن اتباعًا في العبادات كان ابتداعًا، وأصل البدع: فعل ما لم يفعله رسول الله - ﷺ - تعبدًا.
[ ٥٣ ]
ويؤكد هذا الترك، حديث أنس عند ابن خزيمة السابق بلفظ: "كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد ".
قال ابن القيم في الزاد (١ - ٢٧٢):
"من المعلوم بالضرورة أن رسول الله - ﷺ - لو كان يقنت كل غداة ويدعو بهذا الدعاء، ويؤمن الصحابة، لكان نَقْلُ الأمّة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها، وعددها ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها، جاز عليهم تضييع ذلك ولا فرق، وكان هديه - ﷺ - القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها".
قلت: تخصيصه القنوت بالنوازل فيه نظر، فقد سبق بيان قنوت النبي - ﷺ - وأنه كان يقنت في النوازل، وعند الحاجة، فلربّما عدّ بعضهم الدعاء للمؤمنين، والدعاء على الكافرين من باب النوازل، أو من باب التغليب! والله أعلم.
[ ٥٤ ]