شرع الإسلام سنة القنوت، وهو: الدعاء في النوازل، وفي ما كان فيه حاجة للمسلمين، من تحقيق مصلحة لهم، أو دفع مفسدة عنهم، يشرع في الصلوات كافة، كما يشرع في صلاة الوتر، وقيام رمضان.
وهو سنة مستحبة، وشعيرة ماضية، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه.
وأما المداومة عليه في صلاة الفجر: فمحدث لم تثبت عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه - ﵃ - بل ثبت عنهم إنكار هذا القنوت كما ستراه مفصلًا.
والنازلة: الأمر الشديد ينزل بالقوم، وجمعها: نوازل، ونقل في اللسان عن الحكم: "والنازلة: الشدة من شدائد الدهر تنزل بالناس" (١).
_________________
(١) لسان العرب (١١/ ٦٥٩).
[ ٣٦ ]
قلت: والنازلة: كالحروب، والزلازل، والسيول، والمجاعات، وغير ذلك، مما يكون شديدًا على الناس.
والحاجة: كوقع بعض المسلمين أسرى، أو دفع قانون وضعي عنهم، أو ظهور مفسدة في البلاد، أو انحراف في العباد.
فأما مشروعيته في النوازل:
فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال:
"بعث النبي - ﷺ - سبعين رجلًا لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من سُليم: رِعْل وذكْوان، عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي - ﷺ - فقتلوهم، فدعا النبي - ﷺ - شهرًا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت" (١).
وقصة هؤلاء القراء مذكورة في الصحيحين، وغيرهما من كتب السنة والسيرة، وتسمى بغزوة: "بئر معونة" وفيما يلي رواية مسلم (رقم ٦٧٧) عن أنس ﵁ قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢ - ٤٨) ومسلم (٦٧٧) والنسائي (٢ - ٢٠٠) وغيرهم.
[ ٣٧ ]
"جاء ناس إلى النبي - ﷺ - فقالوا: ابعث رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار، يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة والقراء، فبعثهم النبي - ﷺ - إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم أبلغ عنا نبينا أنا لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حرامًا -خال أنس- من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: «إن إخوانكم قد قُتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا».
وفي رواية أخرجها البخاري (١٢٣٨) ومسلم (٦٧٧):
"قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا حين قُتل القراء فما رأيت رسول الله - ﷺ - حزن حزنًا قط أشد منه" واللفظ للبخاري.
[ ٣٨ ]
فقوله في الرواية الأولى: "وذلك بدء القنوت" وقوله في الرواية الثانية: "شهرًا حين قتل القراء" فيه دلالة واضحة على مشروعيته في مثل هذا المقام، فهو سنة مستحبة، وشعيرة ماضية، مادام على وجه الأرض كفر وإيمان، وعدل وطغيان، ومصائب وأحزان.
وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبه، منهم يحيى بن سعيد، (١) فقد كان يقول ﵀: "يجب الدعاء إذا دخلت الجيوش في بلاد العدو، يعني: القنوت" (٢)، ولعل دليلهم: أنه أقل ما يجب أن يقدمه المسلمون لإخوانهم، وهو أضعف الولاء للمؤمنين، إن لم يستطيعوا غيره، وجوب الدعاء بعامة، والله أعلم.