فلحديث ابن عباس الوارد في المسألة (رقم ٢): وفيه " ويؤمن من خلفه" وقد سبق تخريجه.
وأما رفع اليدين:
فلحديث أنس في رواية أحمد (٣ - ١٣٧) والبيهقي (٢ - ٢١١) والطبراني في الصغير (ص ١١١).
[ ٩٥ ]
ولما في هذه الرواية من عبر، أسوقها للفائدة، نفعنا الله والمسلمين بها وبغيرها من سنة المصطفى - ﷺ - وسيرة صحبه الكرام.
قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم وعفان المعنى قالا: حدثنا سليمان عن ثابت قال: كنا عند أنس بن مالك، فكتب كتابًا بين أهله، فقال: اشهدوا يا معشر القراء، قال ثابت: فكأني كرهت ذلك، فقلت: يا أبا حمزة لو سميتهم بأسمائهم، قال: وما بأس أن أقول لكم قراء، أفلا أحدثكم عن إخوانكم الذين كنا نسميهم على عهد رسول الله - ﷺ - القراء، فذكر أنهم كانوا سبعين، فكانوا إذا جاءهم الليل انطلقوا إلى معلم لهم بالمدينة، فيدرسون الليل حتى يصبحوا، فإذا أصبحوا؛ فمن كانت له قوة، استعذب من الماء، وأصاب من الحطب، ومن كانت عنده سعة اجتمعوا، فاشتروا الشاة وأصلحوها، فيصبح ذلك معلقًا بحجر رسول الله - ﷺ - فلما أصيب خبيب، بعثهم - ﷺ - فأتوا على حي من بني سُليم، وفيهم خالي حرام، فقال حرام لأميرهم: دعني فأخبر هؤلاء إنا لسنا إياهم نريد، حتى يخلوا وجهنا، -وقال عفان: فيخلون وجهنا- فقال لهم حرام: إنا لسنا إياكم نريد،
[ ٩٦ ]
فخلوا وجهنا، فاستقبله رجل بالرمح فأنفذه منه، فلما وجد الرمح في جوفه، قال: الله أكبر؛ فزت ورب الكعبة، قال: فانطووا عليهم فما بقي أحد منهم، فقال أنس: فما رأيت رسول الله - ﷺ - وجد على شيء قط وجده عليهم، فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - في صلاة الغداة، رفع يديه فدعا عليهم، فلما كان بعد ذلك، إذا أبو طلحة يقول لي: هل لك في قاتل حرام، قال: قلت له: ماله؛ فعل الله به وفعل، قال: مهلًا: فإنه قد أسلم، وقال عفان: رفع يديه يدعو عليهم، وقال أبو النضر: رفع يديه".
هاشم: هو ابن القاسم.
وعفان: هو ابن مسلم بن عبد الله الباهلي.
وسليمان: هو ابن المغيرة القيسي.
وثابت: هو ثابت البناني.
وهذا سند صحيح متين، رجاله كلهم ثقات عدول من رجال الصحيحين، وهو على شرط مسلم، وأصل الحديث فيهما.
[ ٩٧ ]
وقد ذكر البيهقي آثارًا عن الصحابة في رفع اليدين منهم عمر بن الخطاب، وصححه عنه (٢ - ٢١٢).
وكذلك النووي في المجموع (٣ - ٥١١) نقلًا عن البخاري في جزء رفع اليدين وصححها وقال: "وهذا هو الصحيح" أي: رفع اليدين.
ويرفع المأمومون أيديهم اقتداء بالإمام، لقوله - ﷺ -:
«إنما جعل الإمام ليُؤتمّ به» [البخاري (١/ ١٧٦)].
وأما مسح الوجه: فلم يثبت عن النبي - ﷺ - في الصلاة ولا خارجها، وما ورد في ذلك، فإما موضوع أو شديد الضعف، وقد حققت ذلك في مسألة خاصة يسر الله طبعها، وإذا لم يثبت ذلك ففعله بدعة.
قال العز بن عبد السلام: "لا يفعله إلا جاهل " (١).
وقال البيهقي (١ - ٢١٢):
"فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف".
_________________
(١) نقلًا عن الإرواء (٢ - ١٨٢).
[ ٩٨ ]
ثم ضعف الحديث الوارد، ثم قال: "وأما في الصلاة، فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح، ولا أثر ثابت، ولا قياس، فالأولى ألا يفعله".
وقال النووي في المجموع (٣ - ٥٠١):
"لا يمسح، وهذا هو الصحيح" وضعف الحديث الوارد في ذلك.
وقال ابن قدامة في المغني (١ - ٧٨٦) من الشرح:
"فهل يمسح وجهه بيده: روايتان: إحداهما: لا يفعل لأنه روي عن أحمد أنه قال: لم أسمع فيه بشيء".
ثم ذكر الوجه الآخر، واستدل له بالأحاديث الضعيفة والموضوعة.
وأما الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - فلم تثبت في حديث صحيح، ولا حسن.
وقد ثبت عن بعض الصحابة - ﵃ - الصلاة على النبي - ﷺ - في قنوت رمضان، فهل هو في حكم دعاء قنوت النازلة، لأنه
[ ٩٩ ]
دعاء جماعي؟ لأنهم كانوا يدعون فيه للمؤمنين ويلعنون الكافرين؟
والأصل عدم وروده، فإن صلّى غير ملتزم به أحيانًا فلا بأس، والله أعلم.
[ ١٠٠ ]