الكفارة بين الترتيب والتخيير
اختلف العلماء في كفارة الجماع في رمضان هل هي على الترتيب أم على التخيير على قولين:
القول الأول: هي مرتبة، فالعتق أولا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد والثوري وسائر الكوفيين (١).
القول الثاني: هي على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيها كفر أجزأه. وهو مذهب مالك (٢) وراوية عن أحمد (٣).
وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب:
تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة، وذلك أن ظاهر حديث الأعرابي يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي - ﵊ - عن الاستطاعة عليها مرتبا. وظاهر ما رواه مالك من: (أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله - ﷺ - أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا) أنها على التخيير، إذ (أو) إنما يقتضي في لسان العرب التخيير، وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب، إذ كانوا أقعد بمفهوم الأحوال ودلالات الأقوال.
_________________
(١) البحر الرائق (٢/ ٢٩٨)، روضة الطالبين (٢/ ٣٧٩)، البيان للعمراني (٣/ ٥٢٠)، المغني (٣/ ١٤٠).
(٢) وروى عنه ابن القاسم مع ذلك أنه يستحب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام. بداية المجتهد (٢/ ٦٧).
(٣) بداية المجتهد (٢/ ٦٧)، المغني (٣/ ١٤٠).
[ ١٣٣ ]
وأما الأقيسة المعارضة في ذلك: فتشبيهها تارة بكفارة الظهار، وتارة بكفارة اليمين، لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين، وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي.
وأما استحباب مالك الابتداء بالإطعام فمخالف لظواهر الآثار، وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس، لأنه رأى الصيام قد وقع بدله الإطعام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره بدليل قراءة من قرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات وعليه صوم أن يكفر بالإطعام عنه، وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول (١).
ويرجح القول الأول لما يلي:
١ - ما رواه عن أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال للواقع على أهله: (هل تجد رقبة تعتقها؟) قال: لا. قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا. قال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟) قال: لا. وذكر سائر الحديث لفظ الترتيب، والأخذ بهذا أولى من رواية مالك؛ لأن أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا، سوى مالك وابن جريج، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه.
٢ - ولأن الترتيب زيادة، والأخذ بالزيادة متعين.
٣ - ولأن حديث القول الأول لفظ النبي - ﷺ - وحديث القول الثاني لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه بـ (أو) لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء.
_________________
(١) بداية المجتهد (٢/ ٦٧).
[ ١٣٤ ]
٤ - ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين، فكانت على الترتيب، ككفارة الظهار والقتل (١).
٥ - ولأن النبي - ﷺ - لم ينقله عن العتق إلى الصيام إلا بالعجز عنه فدل على عدم التخيير، ووجوب الترتيب.
٦ - ولأنه نوع تكفير يجب بضرب من المأثم، فوجب أن يكون من شرط الترتيب أصله كفارة القتل والظهار.
٧ - ولأن الكفارات في الشرع ضربان: ضرب بدئ فيها بالأغلظ فكان الترتيب فيها واجبا، مثل كفارة الظهار والقتل بدئ فيها بالعتق وضرب بدئ فيها بالأخف، فكان التخيير فيها مستحقا مثل كفارة اليمين بدئ فيها بالإطعام ثم وجدنا كفارة الجماع بدئ فيها بالأغلظ، وهو العتق فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقا.
٨ - وأما ما رواه مالك فقد رُوي في الطرق الأخرى على الترتيب، والقصة واحدة، والرواية التي استدل بها القول الآخر أولى لكثرة الرواة، ونقل لفظ النبي - ﷺ -، وتفسير ألفاظه التي لا يدخلها احتمال (٢).
_________________
(١) المغني (٣/ ١٤٠ - ١٤١).
(٢) الحاوي (٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، البيان للعمراني (٣/ ٥٢٠).
[ ١٣٥ ]