الصيام
الصيام أحد خصال كفارة اليمين، ولا يجزئ إلا بشروط:
أولًا: العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق، فإذا عجز عما سبق فإنه ينتقل إلى الصنف الرابع وهو الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [١٧٠].
أما إنِ انتقل إلى الصيام وهو واجد قادرٌ على واحدة من الأصناف الثلاثة، فإنَّ صومه هذا لا يكفِّر عن يَمينه (١)، قال ابْنُ المُنْذِر: "وأجْمعوا على أنَّ الحالف الواجد للإطعام أو الكسوة أو الرقبة لا يجزئه الصوم إذا حنث في يمينه" (٢).
وقال ابن هبيرة: "واتَّفقوا على أنَّ الكفَّارة إطعام عشَرة مساكينَ أو كسوتُهم أو تَحرير رقبة، والحالف مُخيَّر في أيِّ ذلك شاء، فإن لَم يَجِد شيئًا من ذلك انتقَلَ حينئذٍ إلى صيام ثلاثة أيَّام" (٣).
ثانيًا: وجوب النية قبل الفجر، لأنه صيام واجب، فعن حفصة، عن النبي - ﷺ -، قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له) (٤).
_________________
(١) البحر الرائق (٤/ ٣١٥)، الذخيرة (٤/ ٦٥)، الحاوي للماوردي (١٥/ ٣٢٩)،
(٢) الإجماع لابن المنذر (ص ١٥٧) مكتبة الفرقان - عجمان، ط ٢: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.
(٣) اختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة (٢/ ٣٨٣).
(٤) أخرجه النسائي (٢٣٣١).
[ ٦٥ ]
ثالثًا: التتابع في الصيام. (هل يشترط التتابع في الصيام؟):
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يشترط التتابع، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعي (١).
القول الثاني: لا يشترط التتابع، وهو قول المالكية والشافعية (٢).
وسبب اختلافهم في ذلك شيئان:
أحدهما: هل يجوز العمل بالقراءة الشاذة، وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٣).
والسبب الثاني: اختلافهم هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع، أم ليس يحمل؟ إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو التتابع (٤).
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١ - قراءة ابن مسعود - ﵁ - (ثلاثة أيام متتابعة)، والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل؛ لأنها منقولة عن الرسول - ﷺ - (٥).
_________________
(١) المبسوط (٨/ ١٤٤)، الحاوي (١٥/ ٣٢٩)، نهاية المطلب (١٨/ ٣١٨)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٩٤).
(٢) بداية المجتهد (٢/ ١٨٠)، الحاوي (١٥/ ٣٢٩).
(٣) تفسير الطبري (٨/ ٦٥٢).
(٤) بداية المجتهد (٢/ ١٨٠).
(٥) المبسوط (٨/ ١٤٤)، بدائع الصنائع (٥/ ١١١)، الحاوي للماوردي (١٥/ ٣٢٩)،
[ ٦٦ ]
٢ - ولأنه صوم تكفير فيه عتق، فوجب أن يكون التتابع من شرطه قياسًا على كفارة القتل والظهار (١).
٣ - حمل المطلق على ما قيد من جنسه كما حمل إطلاق العتق في كفارة الأيمان على ما قيد في كفارة القتل من الإيمان فلزمه أن يحمل إطلاق هذا الصيام على ما قيد من تتابعه في القتل (٢).
استدل أصحاب القول الثاني يما يلي:
١ - ما ورد به القرآن من إطلاق صيامها فاقتضى الظاهر إجزاء صيامها في حالتي تتابعها وتفريقها.
٢ - لا يجب حمله على المقيد من كفارة الظهار؛ لتردد هذا الإطلاق بين أصلين يجب التتابع في أحدها وهو كفارة الظهار، ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين في التتابع بأولى من الآخر.
٣ - ولأنه صوم يتردد موجبه بين إباحة وحظر، فوجب أن لا يستحق فيه التتابع قياسا على قضاء رمضان.
والراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني لقومة ما استدلوا به.
وأما قراءة ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب فإنما تجري في وجوب العمل بها مجرى خبر الواحد، إذا أضيفت إلى التنزيل وإلى سماعها من الرسول - ﷺ - فأما إذا أطلقت جرت مجرى التأويل دون التنزيل، ثم لو سلمت لحملت على الاستحباب وإطلاقها
_________________
(١) الحاوي للماوردي (١٥/ ٣٢٩).
(٢) المرجع السابق (١٥/ ٣٢٩).
[ ٦٧ ]
على الجواز، وأما كفارة القتل فلما تغلظ صومها بزيادة العدد تغلظ بالتتابع، ولما تخفف صوم كفارة اليمين بنقصان العدد تخفف بالتفرقة (١).
_________________
(١) المرجع السابق (١٥/ ٣٣٠).
[ ٦٨ ]