اختلف العلماء في وجوب الكفارة من قتل العمد على قولين:
القول الأول: عدم وجوب الكفارة وهو قول الجمهور وبه قال الثوري، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي (٢).
القول الثاني: وجوب الكفارة وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد اختارها ابن الجوزي (٣).
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١ - دلالة المفهوم: وذلك أن الله تعالى بين حكم قتل الخطأ بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ثم ذكر قتل العمد، فلم يوجب فيه كفارة، وجعل جزاءه جهنم، فمفهومه أنه لا كفارة فيه.
٢ - ما روي أن سويد بن الصامت قتل رجلًا، فأوجب النبي - ﷺ - عليه القود، ولم يوجب كفارة (٤).
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المبسوط (٢٧/ ٨٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٩٩)، القوانين الفقهية (ص ٢٢٨).
(٣) روضة الطالبين (٩/ ٣٨٠)، نهاية المطلب (١٧/ ٨٦). البيان للعمراني (١١/ ٦٢٢)، الإنصاف (١٠/ ١٣٦).
(٤) المغني (٨/ ٥١٦).
[ ١٠٤ ]
وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين في عهد النبي - ﷺ - فوداهما النبي - ﷺ - ولم يوجب كفارة (١).
٣ - ولأنه فعل يوجب القتل، فلا يوجب كفارة، كزنى المحصن.
٤ - ولأن الوعيد المنصوص عليه لا يرتفع بالكفارة والذنب فيه أعظم من أن ترفعه الكفارة (٢).
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
١ - دلالة مفهوم الموافقة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
[النساء: ٩٢]. فنص على وجوب الكفارة في قتل الخطأ؛ لينبه بذلك على وجوبها في العمد المحض وعمد الخطأ؛ لأن الخطأ أخف حالًا من قتل العمد؛ لأنه لا قود فيه ولا إثم، والدية فيه مخففة، فإذا وجبت فيه الكفارة .. فلأن تجب في قتل العمد المحض وعمد الخطأ أولى.
٢ - روى واثلة بن الأسقع، قال: أتينا النبي - ﷺ - في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال النبي - ﷺ -: (أعتقوا عنه رقبة .. يعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار) (٣). ولا يستوجب النار إلا في قتل العمد (٤).
٣ - عن عمر بن الخطاب، أن قيس بن عاصم، جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إني وأدت في الجاهلية ثمان بنات؟ فقال: (أعتق عن كل واحدة منهن نسمة) (٥).
_________________
(١) دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (١/ ٤٨٩).
(٢) المبسوط (٢٧/ ٨٤).
(٣) البيان للعمراني (١١/ ٦٢٢).
(٤) المرجع السابق.
(٥) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٦٣٤٩).
[ ١٠٥ ]
و(الموءودة): البنت المقتولة عندما تولد، كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة العار والفقر (١).
والراجح: قول الجمهور لقوة ما استدلوا به.
وحديث واثلة، يحتمل أنه كان قتل خطأ، وسماه موجبًا، أي فوت النفس بالقتل. ويحتمل أنه كان شبه عمد. ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعًا، ولذلك أمر غير القاتل بالإعتاق.
ثم إن الله - تعالى - ذكر أنواع قتل الخطأ ما يكون منه بين المسلمين وما يكون في دار الحرب لقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم﴾ [النساء: ٩٢] أي: في قوم عدو لكم وما يكون في حق أهل الذمة لقوله: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ [النساء: ٩٢] ونص على إيجاب الكفارة في كل نوع، ففيه إشارة إلا أنه لا مدخل للقياس فيه؛ إذ لو كان للقياس مدخل لنص على الكفارة في نوع من الخطأ؛ ليقاس عليه سائر الأنواع (٢).
وما ذكروه من المعنى لا يصح؛ لأنها وجبت في الخطأ، لتمحو إثمه؛ لكونه لا يخلو من تفريط، فلا يلزم من ذلك إيجابها في موضع عظم الإثم فيه، بحيث لا يرتفع بها.
ولأن الكفارة من المقدرات فلا يجوز إثباتها بالقياس (٣).
_________________
(١) المجموع (١٩/ ١٨٧).
(٢) المبسوط (٢٧/ ٨٦).
(٣) تبيين الحقائق (٦/ ١٠٠).
[ ١٠٦ ]