لم يرد نص شرعي في مقدار الطعام ونوعه، بل ورد النص مطلقًا من التحديد والتعيين، وبالتالي اختلف العلماء فيه بسبب اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وهذه أقوالهم:
أولًا: الحنفية: ورد في المبسوط: "لكل مسكين نصف صاع من حنطة" (٢).
ثانيًا: عند المالكية: قال سحنون: قلت: أرأيت كم إطعام المساكين في كفارة اليمين؟
قال: قال مالكٌ: مد مد لكل مسكينٍ.
قال مالكٌ: وأما عندنا هاهنا فليكفر بمد النبي - ﵊ - في اليمين بالله مد مد، وأما أهل البلدان فإن لهم عيشًا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم، يقول الله: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ١٦٧).
(٢) المبسوط (٨/ ١٥٢).
(٣) المدونة (١/ ٥٩١).
[ ٤٢ ]
ثالثًا: الشافعية: قال الشافعي: ويجزئ في كفارة اليمين مد بمد النبي - ﷺ - من حنطةٍ ولا يجزئ أن يكون دقيقًا ولا سويقًا، وإن كان أهل بلدٍ يقتاتون الذرة، أو الأرز، أو التمر أو الزبيب أجزأ من كل جنسٍ واحدٌ من هذا مد بمد النبي - ﷺ - (١).
رابعًا: الحنابلة: لكل مسكينٍ مد من حنطةٍ أو دقيقٍ، أو رطلان خبزًا، أو مدان تمرًا أو شعيرًا (٢).
خامسًا: الظاهرية: قال ابن حزم: "ولا يجزئ إلا مثل ما يطعم الإنسان أهله، فإن كان يعطي أهله الدقيق، فليعط المساكين الدقيق، وإن كان يعطي أهله الحب فليعط المساكين الحب، وإن كان يعطي أهله الخبز، فليعط المساكين الخبز، ومن أي شيء أطعم أهله فمنه يطعم المساكين، ولا يجزئه غير ذلك أصلا، لأنه خلاف نص القرآن ويعطي من الصفة، والمكيل الوسط - لا الأعلى ولا الأدنى - كما قال ﷿" (٣).
والخلاصة أن آراء الفقهاء انتهت إلى أربعة أقوال:
القول الأول: أن مقدار إطعام المسكين هو مُد من الطعام، وهو قول المالكية والشافعية.
القول الثاني: أن مقداره مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير لكل مسكين وهو مذهب أحمد.
القول الثالث: أن مقداره نصف صاع، ويقدر بمُدين، وهو قول الحنفية.
_________________
(١) الأم للشافعي (٧/ ٦٧).
(٢) المغني لابن قدامة (٩/ ٥٤٠).
(٣) المحلى (٦/ ٣٤١).
[ ٤٣ ]
القول الرابع: التقدير بحسب حال الشخص وعرفه، وهو مذهب الظاهرية، ومذهب مالك في غير
أهل المدينة.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١ - ما ورد عن الصحابة: عن أبي سلمة عن زيد بن ثابت ﵁ قال: مد من حنطة لكل مسكين (١).
وعن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه كان إذا حنث أطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة بالمد الأول (٢).
٢ - واستدلوا بعمل أهل المدينة: عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركت الناس وهم يعطون في طعام المساكين مدًا، مدًا ويرون أن ذلك يجزئ عنهم (٣).
واستدل أصحاب القول الثاني بالذي استدل به أصحاب القول الأول، وبما روى أحمد بسنده عن أبي زيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال رسول الله - ﷺ - للمظاهر: (أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر) (٤).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (١٢٢٠٦)، سنن الدارقطني (٤٣٣٦).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (١٢٢٠٧).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٧٤٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٩٩٧٦)، وانظر: التفسير من سنن سعيد بن منصور (٧٨٩).
(٤) انظر: التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل (ص ١٤٧)، السنن الكبرى (٧/ ٦٤٤).
[ ٤٤ ]
قال ابن قدامة: فإن مدي شعير مكان مد بر، ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف (١).
واستدل أصحاب القول الثالث بالقياس على فدية الأذى في الحج والعمرة.
فعن عبد الله بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت في خاصة وهي لكم عامة حملتُ إلى رسول الله - ﷺ - والقمل يتناثر على وجهي فقال: (ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى، تجد شاة) فقلت: لا. فقال: (فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) (٢).
واستدل أصحاب القول الرابع بظاهر القرآن بأن الله تعالى لم يقدر حدًا معينًا للإطعام سوى عرف وحال مَنْ لزمته الكفارة.
وبالنظر إلى مختلف الأدلة نجد أنها تدور على أمرين:
١ - التقدير بالشرع عن طريق القياس.
٢ - التقدير بالعرف.
ويمكن حمل ما ورد عن الصحابة من التقدير بالمد أو نصف الصاع بناء على العرف العام الجاري كونه يتحقق به الإطعام.
وبناء على ذلك، وكون الكفارة بالإطعام من باب المواساة، وتحقيق الرعاية والتكافل الاجتماعي فإن حصول مقتضى التكفير بالإطعام يصح ويجزئ بالأمرين:
_________________
(١) المغني (٣/ ١٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٨١٦).
[ ٤٥ ]
إما بتقدير علماء كل بلد القدر والحد الوسط الذي يحصل به المقصود من الإطعام.
أو بإفتاء كل شخص بعينه بإخراج القدر الذي يمكنه من خلال وضعه وحاله الخاص الذي يطعم به أهله ويخرج من الوسط.
يقول ابن تيمية ﵀: "وإذا اختار أن يطعم عشرة مساكين فله ذلك، ومقدار ما يطعم مبني على أصل، وهو أن إطعامهم هل هو مقدر بالشرع أو بالعرف؟ فيه قولان للعلماء: منهم من قال: هو مقدر بالشرع وهؤلاء على أقوال: منهم من قال: يطعم كل مسكين صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو نصف صاع من بر، كقول أبي حنيفة وطائفة ومنهم من قال: يطعم كل واحد نصف صاع من تمر وشعير، أو ربع صاع من بر، وهو مد كقول أحمد وطائفة.
ومنهم من قال: بل يجزئ في الجميع مد من الجميع، كقول الشافعي وطائفة والقول الثاني: أن ذلك مقدر بالعرف، لا بالشرع، فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرا ونوعًا. وهذا معنى قول مالك.
قال إسماعيل بن إسحاق: كان مالك يرى في كفارة اليمين أن المد يجزئ بالمدينة.
قال مالك: وأما البلدان فإن لهم عيشا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم لقول الله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩] وهو مذهب داود وأصحابه مطلقًا.
والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول، ولهذا كانوا يقولون الأوسط خبز ولبن، خبز وسمن، وخبز وتمر. والأعلى خبز ولحم، وقد بسطنا الآثار عنهم
[ ٤٦ ]
في غير هذا الموضع، وبينا أن هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله، فإن أصله أن ما لم يقدره الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف، وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف، لا سيما مع قوله تعالى ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] .. " (١).