الاعتكاف رقم (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد.
فمن العبادات العظيمة التي حث عليها الشرع ورغب فيها الاعتكاف، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٢٥]، وهذا يدل على مشروعيته حتى في الأمم السابقة.
والاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٧]. روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ﷿، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ (^١).
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا (^٢).
«والاعتكاف سنة إلا أن يكون نذرًا فيلزم الوفاء به، والدليل على ذلك فعل النبي ﷺ: «ومداومته عليه تقربًا إلى الله -تعالى- وطلبًا لثوابه، واعتكاف أزواجه
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٢٠٢٦)، وصحيح مسلم برقم (١١٧٢).
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٠٤٤).
[ ٥٧ ]
معه وبعده» (^١).
قال الزهري: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف مع أن النبي ﷺ ما تركه منذ قدم المدينة كل عام في العشر الأواخر حتى قبضه الله ﷿ (^٢).
قال ابن القيم ﵀: وشرع الله لهم الاعتكاف الذي مقصودة وروحه عكوفُ القلب على الله، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبالُ عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسُه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق، فيُعِدُه بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم (^٣).
والاعتكاف عبادة يخلو فيها العبد بخالقه ويقطع العلائق عما سواه، فيستحب للمعتكف أن يتفرغ للعبادة، فيكثر من الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن والتوبة والاستغفار ونحو ذلك من الطاعات التي تقربه إلى الله تعالى.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة:
١ - هل الاعتكاف سنة أو واجب؟
٢ - لماذا شرع الاعتكاف؟
٣ - ماذا يستحب للمعتكف؟
_________________
(١) المغني (٤/ ٤٥٦).
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (١٣/ ٦٦٨).
(٣) زاد المعاد (٢/ ١٠٦ - ١٠٧) باختصار.
[ ٥٨ ]