من تناول شيئًا من المفطرات ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن المفطرات التي سبق ذكرها لا يفطر الصائم بشيء منها إلا إذا تناولها عالمًا ذاكرًا مختارًا وهذه ثلاثة شروط:
أولًا: أن يكون عالمًا، فإن كان جاهلًا لم يفطر، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ٢٨٦]، فقال الله قد فعلت (^١) سواء كان جاهلًا بالحكم الشرعي، مثل أن يظن أن هذا الشيء غير مُفّطر فيفعله، أو جاهلًا بالحال مثل أن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل وهو طالع أو يظن أن الشمس قد غربت فيأكل وهي لم تغرب فلا يفطر في ذلك كله.
وفي صحيح البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «أفْطرْنَا في عهدِ النبيِّ ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس» (^٢)، ولم تذكر أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء، لأنهم كانوا جاهلين بالوقت ولو أمرهم بالقضاء لنقل؛ لأنه مما توافرت الدواعي على نقله لأهميته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته (حقيقة الصيام):
من فعل محظورًا مخطئًا أو ناسيًا لم يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصيًا ولا مرتكبًا لما نُهي عنه وحينئذ
_________________
(١) صحيح مسلم برقم ١٢٦.
(٢) برقم (١٩٥٩).
[ ٢٧ ]
فيكون قد فعل ما أُمر به ولم يفعل ما نُهي عنه (^١).
ثانيًا: أن يكون ذاكرًا، فإن كان ناسيًا فصيامه صحيح ولا قضاء عليه؛ لما سبق في آية البقرة ولما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (^٢)، فأمر النبي ﷺ بإتمامه دليل على صحته.
٣ - أن يكون مختارًا، أي متناولًا للمفطر باختياره وإرادته، فإن كان مكرهًا فصيامه صحيح ولا قضاء عليه لأن الله سبحانه رفع الحكم عمن كفر مكرهًا، وقلبه مطمئن بالإيمان فقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سورة النحل، الآية رقم: ١٠٦] الآية، فإذا رفع الله حكم الكفر عمن أُكره عليه فما دونه أولى ولقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (^٣) (^٤).
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الأسئلة:
١ - ما الحكم إذا تناول الصائم شيئًا من المفطرات جاهلًا بالحكم؟
٢ - ما الحكم إذا أكل الصائم أو شرب ناسيًا؟
٣ - ما الحكم إذا تناول الصائم شيئًا من المفطرات مكرهًا؟
_________________
(١) حقيقة الصيام ص ٢٧.
(٢) صحيح البخاري ١٩٣٣، وصحيح مسلم برقم ١١٥٥، واللفظ له.
(٣) سنن ابن ماجه برقم ٢٠٤٣، ومن حديث ابن عباس ﵄، وصححه الشيخ الألباني-﵀ في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٣٤٧) برقم ١٦٦٢.
(٤) مجالس شهر رمضان ص ١٠٥ - ١١١ باختصار للشيخ ابن عثيمين ﵀.
[ ٢٨ ]