فضل ليلة القدر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [سورة الفجر، الآية رقم: ١ - ٥]، بين تعالى أنه أنزل القرآن في ليلة القدر وهي الليلة المباركة التي قال الله ﷿ فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾ [سورة الدخان، الآية رقم: ٣] وليلة القدر في شهر رمضان قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ١٨٥].
ومعنى إنزاله في رمضان. أي ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، فإن الليلة التي نزل فيها جبريل ﵇ على النبي ﷺ بالآيات الخمس من سورة العلق كانت في رمضان (^١).
وسميت ليلة القدر لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يقدر فيها ما يكون في
_________________
(١) وصح عن ابن عباس في معنى (إنا أنزلناه في ليلة القدر)، قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، كان بموقع النجوم فكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في أثر بعض قال ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ (مستدرك الحاكم ٣/ ٣٨٥) برقم (٤٠١١) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه وقال محققه الشيخ عبد السلام علوش هذا سند صحيح على شرط الشيخين (انظر: تفسير الشيخ عبد الرحمن البراك ص ٢٤١).
[ ٥٣ ]
العام من الآجال والأرزاق والمقادير القدرية.
وكان النبي ﷺ شديد الحرص على تحري ليلة القدر للقيام والتعبد لما جعل الله فيها من الفضل والأجر العظيم.
فمما خصها الله به أنها خير من ألف شهر، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي العبادة فيها خير من عبادة ثلاثة وثمانين وبضعة أشهر.
قال كثير من المفسرين: أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقال أبو العالية: ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيه ليلة القدر (^١).
ومنها: أنه يكثر نزول الملائكة فيها لكثرة الخيرات والبركات، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [سورة القدر، الآية رقم: ٤ - ٥] والروح هو جبريل ﵇ وخصه بالذكر لشرفه مع أنه داخل في الملائكة (^٢)، وقد جاء في الحديث: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى» (^٣).
ومنها: أنها ليلة سلام: رُوي عن نافع وغيره أي ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي إلى طلوع الفجر، قال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة» (^٤).
ومنها: أن الله يغفر لمن قامها إيمانًا واحتسابًا روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ
_________________
(١) تفسير القرطبي (٢٢/ ٣٩٣).
(٢) تفسير جزء (عم) للشيخ عبد الرحمن البراك (ص ٢٤١).
(٣) مسند الإمام أحمد (١٦/ ٤٢٨) برقم (١٠٧٣٤) وقال محققوه: إسناده محتمل للتحسين وحسن إسناده الشيخ الألباني ﵀، السلسلة الصحيحة برقم (٢٢٠٥).
(٤) تفسير القرطبي (٢٢/ ٣٩٧).
[ ٥٤ ]
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).
وهذه فضائل عظيمة القدر، يسيرة العمل من وفق لها وفق لخير كثير.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اجعلنا ممن وُفق لقيام ليلة القدر فغفرت له ما تقدم من ذنبه، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار يا حي قيوم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة:
١ - في أي ليلة نزل القرآن؟
٢ - ليلة القدر في أي شهر من شهور السنة؟
٣ - اذكر بعضًا من فضائل ليلة القدر.
٤ - لماذا كان النبي ﷺ يحرص على ليلة القدر؟
_________________
(١) تفسير القرطبي (٢٢/ ٣٩٧).
[ ٥٥ ]