المواظبة على العبادة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
إن مطالبة النفس بأن تؤدي في غير رمضان ما كانت تقوم به في رمضان أمر
لا يتيسر لكل أحد؛ لما خص الله به رمضان من تيسير أسباب الطاعة، ودفع الموانع عن العباد، فالنار مغلقة، وأبواب الجنة مفتحة والشياطين مسلسلة، وملائكة الرحمن بالخير صاعدة ونازلة، ومع ذلك فينبغي للمؤمن أن لا يدع العمل الذي كان يعمله في رمضان ولو كان قليلًا، وقد شرع من الصيام والقيام والصدقات، وفعل الخير ما يملأ الأوقات ويجعل العبد موصولًا بربه على الدوام، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» (^١)؛ بل إن النبي ﷺ كان ينهى أصحابه عن الانقطاع عن العمل الصالح.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» (^٢).
ومن هذه النوافل التي شرعت بعد رمضان: صيام ست من شوال، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٤٦٤)، وصحيح مسلم برقم (٧٨٣).
(٢) صحيح البخاري برقم (١١٥٢)، وصحيح مسلم برقم (١١٥٩).
[ ٩١ ]
مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (^١).
ومنها: قيام الليل طوال العام، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (^٢).
ومنها: باب الصدقة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [سورة البقرة، الآية رقم: ٢٧٤].
وغير ذلك من أبواب الخير العظيمة التي فتحها الله لعباده على الدوام.
والعبد لا يدري متى يفجؤه الأجل، فالعاقل من تهيأ للقاء ربه، ولم يغره طول الأمل؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [سورة لقمان، الآية رقم: ٣٣].
وقال تعالى عن أقوام طالت آمالهم، وساءت أعمالهم، وغفلوا عن ذكر ربهم:
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [سورة الحجر، الآية رقم: ٢ - ٣].
واعلموا عباد الله أن كل حي صائر إلى فناء، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [سورة آل عمران، الآية رقم: ١٨٥].
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان،
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١١٦٤).
(٢) صحيح مسلم برقم (١١٦٣).
[ ٩٢ ]
واجعلنا من الراشدين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة:
١ - اذكر بعض النصوص الشرعية التي تحث على المداومة على العمل الصالح.
٢ - اذكر بعض النوافل التي شرعت بعد رمضان.
[ ٩٣ ]