صفة النار
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [سورة التحريم، الآية رقم: ٦].
قوله تعالى: (وقودها الناس والحجارة) أي: حطبها الذي يلقى فيها جثث بني آدم، (والحجارة) قال ابن مسعود ﵁: هي حجارة من الكبريت الأسود، وهو غاية ما يكون في الحرارة (^١)، وأما حرها فلو سيرت به جبال الدنيا لذابت.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا، مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» قَالُوا: وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا» (^٢).
وجهنم عظيمة مخيفة، يؤتى بها تُجَرُّ في عرصات القيامة لها زفير وشهيق يراها الناس عيانا بأبصارهم، قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [سورة الفجر، الآية رقم: ٢٣].
روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٥٩).
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥)، وصحيح مسلم برقم ٢٥٤٣.
[ ٧٥ ]
بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (^١).
وجهنم قعرها بعيد جدًّا، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فهُوَ يهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حَتَّى انْتهَى إِلَى قعْرِهَا» (^٢).
والعصاة في النار على دركات، روى مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال عن النار: «مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ (^٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى تُرْقُوَتِهِ» (^٤) (^٥).
وَ«أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ يَلْبَسُ نَعْلَينِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ». روى مسلم في صحيحه من حديث العباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (^٦). وفي رواية: «مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لأهْوَنُهُمْ عَذَابًا» (^٧)، والنار دركات كما أن الجنة درجات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [سورة النساء، الآية رقم: ١٤٥].
وأما مكانها، فقد قال بعض أهل العلم أنه في سجين في الأرض السفلى، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ٧﴾ [سورة المطففين الآية رقم: ٧] وهي
_________________
(١) برقم ٢٨٤٢.
(٢) برقم ٢٨٤٤.
(٣) الحجزة: مقعد الإزار.
(٤) الترقوة: العظم الذي عند ثغرة النحر وللإنسان ترقوتان جانبي النحر.
(٥) برقم ٢٨٤٥
(٦) صحيح مسلم برقم ٢١٢.
(٧) صحيح مسلم برقم ٢١٣.
[ ٧٦ ]
موجودة الآن وكل يوم تسجر ويزاد في حرها وذلك عند زوال الشمس كما ثبت ذلك في الأحاديث (^١).
وبعدما عرف المؤمن ما أعد الله للكفرة والعصاة من العذاب والنكال، وما أعده كذلك للمؤمنين المتقين من الكرامة والنعيم، فإنه يجب عليه أن يسعى لفكاك نفسه من النار قال ﷺ: «اتقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ (^٢) تَمْرَةٍ» (^٣).
اللهم أجرنا من النار، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة:
١ - كم ضُعّفت نار الآخرة على نار الدنيا؟
٢ - هل النار دركات؟ مع ذكر الدليل.
٣ - من هم أشد الناس عذابًا في النار؟
٤ - كم عدد أبواب جهنم أعاذنا الله منها؟
_________________
(١) دروس للصائمين للشيخ محمد الشرافي ص ٦١، ٦٣.
(٢) أي نصف تمرة.
(٣) جزء من حديث لصحيح مسلم برقم (١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم ﵁
[ ٧٧ ]