غزوة بدر الكبرى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد.
كان يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، يوم بدر الأغر، اليوم الذي دارت فيه رحى الحرب بين حزب الله وحزب الشيطان، وكان أصل خروج النبي ﷺ وأصحابه أنهم يتعرضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام، قافلة كبيرة، فلما سمع برجوعها من الشام ندب النبي ﷺ الناس، فخرج معه ثلاث مائة وبضعة عشر رجلًا معهم سبعون بعيرًا يعتقبون عليها ويحملون عليها متاعهم، فسمعت بخبرهم قريش، فخرجوا لمنع عيرهم في عدد كثير، وعدة وافرة من السلاح والخيل والرجال، بلغ عددهم قريبًا من الألف، فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير أي الجيش، فاحبوا العير لقلة ذات يد المسلمين، ولأنها غير ذات الشوكة، ولكن الله أحب لهم، وأراد أمرًا أعلى مما أحبوا، أراد أن يظفروا بالنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ [سورة الأنفال، الآية رقم: ٥ - ٨].
ونصر الله نبيه في هذه الغزوة المباركة، وفرق الله بين الحق والباطل، فخذل الكفر وأهله، وقَتل فيها صناديد قريش ومجرميها، وكانت البوابة الأولى لغزوات
[ ٦١ ]
متتابعة أدت في النهاية للفتح الكبير فتح مكة، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [سورة الإسراء، الآية رقم: ٨١]، وقد حصلت فيها الكثير من المعجزات والكرامات أكتفي باثنين منها.
أولًا: نزول المطر عليهم ليلًا بالقدر الذي يحتاجونه من غير زيادة ولا نقصان روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي ﵁ وهو يحدث عن ليلة بدر قال: أصابنا من الليل طش من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف -أي الترس- نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله يدعو ربه (^١).
قال ابن القيم ﵀: «أنزل الله ﷿ في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلًا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطّأ به الأرض، وصلّب الرمل، وثبّت الأقدام ومهّد به المنزل (^٢).
ثانيًا: سماع المشركين كلام النبي ﷺ وخطابه وهم أموات في القليب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي طلحة ﵁: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ (^٣) مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ، خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ
_________________
(١) (٢/ ٢٦٠) برقم ٩٤٨ وقال محققوه إسناده صحيح.
(٢) زاد المعاد (٣/ ١٧٥).
(٣) الأطواء: جمع طوي وهو البئر التي طويت وبُنيت بالحجارة، لتثبت ولا تنهار، فتح الباري (٧/ ٣٠٢).
[ ٦٢ ]
حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ (^١)، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ: «أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا» (^٢) (^٣).
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك غفور رحيم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة:
١ - في أي يوم كانت غزوة بدر الكبرى؟
٢ - كم كان عدد المسلمين والمشركين في غزوة بدر؟
٣ - اذكر بعضًا من المعجزات والكرامات التي حصلت للمسلمين في غزوة بدر.
٤ - كم كان عدد المشركين الذين خاطبهم النبي ﷺ وهم في القليب أموات؟
٥ - لماذا كان هذا المطر الذي أنزله الله على المسلمين ليلة بدر سببًا في انتصارهم؟
_________________
(١) أي طرف البئر، الفتح (٧/ ٣٠٢).
(٢) برقم ٣٩٧٩ وصحيح مسلم برقم ٢٨٧٥.
(٣) انظر: رسالة المؤلف حدث غير مجرى التاريخ.
[ ٦٣ ]