وهي أن يتفق المستدين والدائن على أخذ دراهم العشرة أحد عشر أو أقل أو أكثر، ثم يذهبا إلى الدكان فيشتري الدائن منه مالًا بقدر الدراهم التي اتفق والمستدين عليها، ثم يبيعه على المستدين، ثم يبيعه المستدين على صاحب الدكان بعد أن يخصم
[ ٩ ]
عليه شيئًا من المال يسمونه السعي، وهذا حرام بلا ريب، وقد نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية في عدَّة مواضع على تحريمه، ولم يحك فيه خلافًا مع أنه حكى الخلاف في مسألة التورُّق.
والمواضع التي ذكر فيها شيخ الإسلام تحريم هذه المسألة هي:
١ - يقول في ص٧٤ من المجلد٢٨: "و والثلاثية مثل أن يدخلا بينهما محلِّلًا للربا يشتري السلعة منه آكل الربا، ثم يبيعها المعطي للرِّبا إلى أجلٍ ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها المحلِّل. هذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك، أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي، أو بغير الشروط الشرعية، أو يقلب فيها الدِّينَ على المعسر. ومن هذه المعاملات ما تنازع فيها بعض العلماء لكن الثابت عن رسول الله ﷺ وصحابته الكرام أنها حرام.
٢ - وفي ص٤٣٧ مجلد٢٩ قال: " وقول
[ ١٠ ]
القائل لغيره أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا حرام إلى أن قال: وبكل حال فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التي يقصدُ بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة ربوية".
٣ - وفي ص٤٣٩ من المجلد ٢٩ المذكور قال: "أمَّا إذا كان قصد الطالب أخذ دراهم بأكثر منها إلى أجلٍ، والمعطي بقصد إعطاء ذلك، فهذا ربا لا ريب في تحريمه، وإن تحايلا على ذلك بأي طريق كان،. "فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأ ما نوى". وذكر نحو هذا في ص٤٣٠ وص٤٣٣ وص٤٤١ من المجلد المذكور وذكر نحوه في كتاب: إبطال التحليل في ص١٠٩.
وبعد، فإنَّ تحريم هذه المداينة التي ذكرنا صورتها في أول هذا القسم لا يمتري فيه شخص تجرَّد عن الهوى وعن الشح وذلك من وجوه:
* الأول: أن مقصود كل من الدائن والمدين دراهم بدراهم، ولذلك يقدِّران المبلغ بالدراهم، والكسب
[ ١١ ]
بالدراهم، قبل أن يعرفا السلعة التي يكون التحليل بها؛ لأنهما يتفقان أولًا على دراهم: العشرة كذا وكذا ثم يأتيان إلى صاحب الدكَّان فيشتري الدائن أي جنس وجده من المال، فربما يكون عنده سكر أو خام أو أرز أو هيل أو غير ذلك، فيشتري الدائن ما وجد ويأخذه المستدين، وبهذا علم أن القصد الدراهم بالدراهم، وأن السلعة غير مقصودة للطرفين. وقد قال النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأ ما نوى"١.
ويدلُّ على ذلك أنَّ الدائن والمستدين كلاهما لا يقلِّبان السلعة ولا ينظران فيها نظر المشتري الرَّاغب، وربما كانت معيبة أو تالفًا، منها ما كان غائبًا عن نظرهما مما يلي الأرض أو الجدار المركونة إليه وهما لا يعلمان ذلك ولا يباليان به.
إذن فالبيع بيع صوريٌّ لا حقيقي، والصور لا تغيِّر
_________________
(١) ١ سبق تخريجه "ص٧".
[ ١٢ ]
الحقائق ولا ترتفع بها الأحكام. ولقد حُدِّثت أنه إذا لم يكف المال الموجود عند صاحب الدُّكان للدراهم التي يريدها المستدين. فإنَّهم يعيدون هذا البيع الصُّوري على نفس المال وفي نفس الوقت، فإذا أخذه صاحب الدُّكان من المستدين باعه مرة أخرى على الدائن، ثم باعه الدائن على المستدين بالربح الذي اتفقا عليه من قبل، ثم باعه المستدين على صاحب الدكان، فيرجع الدائن مرة أخرى فيشتريه من صاحب الدكان، ثم يبيعه على المستدين بالربح الذي اتفقا عليه. وهكذا أبدًا حتى تنتهي الدراهم، فربما يكون المال الذي عند صاحب الدكان لا يساوي عُشرَ مبلغِ الدراهم المطلوبة، ولكن بهذه الألعوبة يبلغون مرادهم والله المستعان.
* الوجه الثاني: مما يدل على تحريم هذه المداينة أنه إذا كان مقصود الدائن والمدين هي الدراهم، فإن ذلك حيلة على الربا بطريقة لا يرتفع بها مقصود الرِّبا، والتحايل على محارم الله تعالى جامع بين مفسدتين:
[ ١٣ ]
مفسدة المحرم التي لم ترتفع بتلك الحيلة.
ومفسدة الخداع والمكر في أحكام وآيات الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.
ولقد أخبر الله عن المخادعين له بأنَّهم يخادعون الله وهو خادعهم، وذلك بما زيَّنه في قلوبهم من الاستمرار في خداعهم ومكرهم فهم يمكرون، ويمكر الله والله خير الماكرين.
قال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصِّبيان، ولو أتوا بالأمر على وجهه لكان أهون.
وقد حذَّر النبي ﷺ أمَّته من التحايل على محارم الله فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلُّوا محارم الله بأدنى الحيل" ١. وقال ﷺ: "لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشُّحومُ فباعوها وأكلوا أثمانها" ٢.
_________________
(١) ١ "إرواء الغليل"، للألباني "٥/١٥٣٥". ٢ رواه البخاري، كتاب البيوع "٢٢٣٦"، ومسلم، كتاب المساقاة "١٥٨١"،
[ ١٤ ]
* الوجه الثالث: أنَّ هذه المعاملة يربحُ فيها الدائن على المستدين قبل أن يشتري السلعة، بل يربحُ عليه في سلعة لم يعرفا نوعها وجنسها فيربحَ في شيء لم يدخلْ في ضمانه.
وقد نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمنْ، وقال: "الخراجُ بالضّمانِ" ١، وقال: "لا تبعْ ما ليس عندك" ٢. وهذا كله بعد التسليم بأنَّ البيع الذي يحصل في المداينة بيع صحيح، فإنَّ الحقيقة أنَّه ليس بيعًا حقيقيًّا، وإنما هو بيعٌ صوريٌّ، بدليل أن المشتري لا يقلِّبه ولا ينظرُ فيه ولا يماكسُ في القيمة، بل لو بيع عليه بأكثر من قيمته لم يبال بذلك.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود، كتاب البيوع "٣٥١٠"، والترمذي كتاب البيوع "١٢٨٥"، وصحيحه، والنسائي، كتاب البيوع "٤٤٩٠"، وابن ماجة، كتاب التجارات "٢٢٤٣"، وأحمد "٦/٤٩". ٢ رواه أبو داود، كتاب البيوع "٣٥٠٣"، والترمذي، كتاب البيوع "١٢٣٢"، والنسائي، كتاب البيوع "٤٦١٣"، وابن ماجة، كتاب التجارات "٢١٨٧"، وصححه الألباني في الإرواء "٥/١٢٩٢".
[ ١٥ ]
* الوجه الرابع: أنَّ هذه المعاملة تتضمنُ بيع السلعة المشتراة قبل حيازتها إلى محلِّ المشتري ونقلها عن محلِّ البائع.
وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلع حيث تُشترى حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
فعن زيد بن ثابت ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُباعَ السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. رواه أبو داود١.
وعن ابن عمر ﵄ قال: كانوا يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه حتَّى ينقلوهُ. رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه٢.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود، كتاب البيوع "٣٤٩٩". ٢ رواه البخاري، كتاب البيوع "٢١٣١"، مسلم، كتاب البيوع "١٥٢٧"، أبو داود، كتاب البيوع "٣٤٩٨"، والنسائي، كتاب البيوع "٤٦٠٥ – ٤٦٠٨"، وابن ماجة، كتاب التجارات ٢٢٢٩ وأحمد ٢/٧
[ ١٦ ]