ولنختم هذا البحث بما ورد في الكتاب والسنة من تحريم الرِّبا والتشديد فيه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَواْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١. ففي هذه الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لمن لم يترك الرِّبا، وذلك بمحاربته لله ورسوله، فأي ذنب في المعاملة أعظم من ذنب يكون فيه فاعله محاربًا لله ولرسوله؟ ولذلك قال بعض السلف: من كان مقيمًا على الربا لا يتوب منه كان حقًّا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نَزَعَ وإلاَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ.
وفي قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَواْ إِن كُنتُمْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآيتان: ٢٧٨، ٢٧٩.
[ ٢٤ ]
مُّؤْمِنِينَ﴾ . إشارة إلى أنَّ آكل الربا بأنَّه لو كان مؤمنًا بالله ورسوله حقَّ الإيمان راجيًا ثواب الله في الآخرة خائفًا من عقابه لَمَا استمرَّ على أكل الرِّبا والعياذ بالله تعالى.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ ١.
ففي هذه الآية وصف آكلي الربا بأنهم يقومون من قبورهم يوم القيامة أمام العالم كلهم كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان من المسِّ - يعني كالمصروعين الذين تصرعُهُم الشياطين وتخنُقهم. قال ابن عباس ﵄: "آكل الربا يُبعثُ يوم القيامة مجنونًا يُخْنَق". ثم بيَّن الله ما وقعَ لهم من الشبهة التي أعمت
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
[ ٢٥ ]
أبصارهم عن التمييز بين الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواْ﴾ . وهذا يحتمل أنَّهم قالوه لشبهةٍ وقعت لهم وتأويلٍ فاسد لجأوا إليه، كما يحتج أهل الحيل على الرِّبا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك عنادًا وجحودًا، وعلى كلا الاحتمالين فإنَّ هذا يدل على أنهم مستمرون في باطلهم، منهمكون في أكل الرِّبا ومجادلون بالباطل ليُدْحِضُوا به الحق. نعوذ بالله من ذلك.
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَفًا مُّضَعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١. ففي هاتين الآيتين: نهى الله عباده المؤمنين بوصفهم مؤمنين عن أكل الرِّبا، ثم حذَّرهم من نفسه في قوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾، ثم حذَّرهم النار التي أُعدَّت للكافرين، وبيَّن أنَّ تقواه
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآيات: ١٣٠ – ١٣٢.
[ ٢٦ ]
وطاعته سبب للفلاح والرحمة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
وهذا كله دليل على تعظيم شأن الرِّبا وأنَّه سبب لعذاب الله تعالى ودخول النار والعياذ بالله تعالى من ذلك.
وقال تعالى: ﴿وَمَآءَاتَيْتُمْ مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ ٢ الآية. وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَواْ وَيُرْبِى الصَّدَقَتِ﴾ ٣.
فالربا لا يربو عند الله ولا يزداد صاحبه به قربة عند ربه، فإنَّه مال مكتسب بطريق حرام فلا خير فيه ولا بركة، ولو أنَّ صاحبه تصدَّق به لم يقبل منه إلا إذا كان تائبًا إلى الله تعالى من ذلك الذنب الكبير فيتصدق به
_________________
(١) ١ سورة النور، الآية: ٦٣. ٢ سورة الروم، الآية: ٣٩. ٣ سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.
[ ٢٧ ]
للخروج من تبعته عند عدم معرفته لأصحابه وبذلك يكون بريئًا منه. أمَّا إن تصدَّق به لنفسه فإنَّه لا يقبلُ منه لأنه لا يربو عند الله، بينما الصدقات المقبولة تربو عند الله، وإن أنفقه لم يبارك الله له فيه لأن الله يمحقه أو يسحق بركته، فلا خير ولا بركة في الربا.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "اجتنبوا السبع الموبقات - وذكر منها - الربا " متفق عليه١.
وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرضٍ مقدسةٍ حتى أتينا على نهر من دم فيه رجلٌ قائمٌ وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فمه فردَّهُ حيث كان، فجعل كلما أراد أن يخرج رمي في
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الوصايا "٢٧٦٦"، ومسلم، كتاب الإيمان "٨٩".
[ ٢٨ ]
في فمه بحجر فيرجع كما كان. فقلت: ما هذا الذي رأيتُه في النهر؟ قال: آكل الربا" رواه البخاري١.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال:لعن رسول الله ﷺ آكل الرِّبا وموكلِه وكاتبه وشاهدهُ. وقال: "هم سواء" رواه مسلم وغيره٢.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الرِّبا اثنان وسبعون بابًا أدناها مثل إتيان الرجل أمَّه". رواه الطبراني وله شواهد٣.
وقد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من الرِّبا وبيان تحريمه، وأنَّه من كبائر الذنوب وعظائمها.
فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من هذا الأمر
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب الجنائز "١٣٨٦". ٢ صحيح مسلم، كتاب المساقاة "١٥٩٨"، والبخاري بلفظ آخر، كتاب اللباس "٥٩٦٢". ٣ رواه الطبراني في الأوسط "١/١٤٣/١"، انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني "١٨٧١".
[ ٢٩ ]
العظيم، وليتب إلى الله تعالى قبل فوات الأوان وانتقاله عن المال، وانتقال المال إلى غيره فيكون عليه إثمه وغرمه ولغيره كسبه وغنمه.
وليحذر من التحيُّل عليه بأنواع الحيل، لأنه إذا تحيَّل فإنما يتحيَّل على مَن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولن تفيده هذه الحيل، لأن الصور لا تغير الحقائق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "إبطال التحليل" ص١٠٨: " فيا سبحان الله العظيم، أيعود الرِّبا الذي قد عظَّم الله شأنه في القرآن وأوجب محاربة مستحلِّه، ولعن أهل الكتاب بأخذه، ولعن آكلهُ وموكلهُ وشاهدهُ وكاتبهُ، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجأ في غيره إلى أن يستحلَ جمعه بأدنى سعي من غير كلفة أصلًا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحكُ منها ويُستهزأ بها.. أم يستحسنُ مؤمن أن ينسب نبيًّا من الأنبياء فضلًا عن سيد المرسلين، بل أن ينسب رب العالمين إلى أن يحرِّم هذه المحارم العظيمة ثم يُبيحُهَا بنوع من العبثِ والهزل الذي لم
[ ٣٠ ]
يقصدْ ولم يكنْ له حقيقة وليس فيه مقصود للمتعاقدين قط".
وقال في ص١٣٧: " وكلما كان المرءُ أفقه في الدين وأبصر بمحاسنه كان فراره من الحيل أشد، قال: وأظنُّ كثيرًا من الحيل إنَّما استحلَّها من لم يفقه حكمة الشارع ولم يكن له بُد من التزام ظاهر الحكم، فأقام رسم الدين دون حقيقة، ولو هُدي إلى رشده لسلَّم لله ورسوله وأطاعَ الله ظاهرًا وباطنًا في كل أمره".
أسأل الله تعالى أن يوقظ بمنِّه وكرمه عباده المؤمنين من هذه الغفلة العظيمة، وأن يقيهم شُحَّ أنفسهم ويهديهم صراطه المستقيم إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٣١ ]