وقد اختلف فيها العلماء المعاصرون على قولين:
القول الأول: منع إجراء عقد النكاح بوسائل الاتصال الحديثة اللفظية. وهو قول اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية
_________________
(١) المبسوط (٥/ ١٦).
(٢) عقد الزواج عبر الإنترنت، للمزروع، ص ١٥، ومواهب الجليل، للحطاب (٥/ ٤٣).
(٣) عقد الزواج عبر الإنترنت، للمزورع ص ١٥: http://www.saaid.net/book/open.php? cat=٨٣&book=٥٢٥٧
[ ١٢٢ ]
السعودية (١)، وصدر به قرار في مجمع الفقه الإسلامي بجدة (٢) (٣).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن هذه الطريقة، أي الهاتف، يدخل فيها الخداع والغش بين طرفي العقد، وعقد الزواج يجب أن يحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ الأعراض (٤).
الرد على الدليل:
صحيح أنه يجب أن يحتاط فيه، ولكن الاحتياط لا يمنع العقود، بل يضمن إجراءات تُلزم سلامة العقد، ويمكن مع التقنية العالية والمتجددة أن يرى المتعاقدان بعضهما البعض (٥)، وكذلك يمكن ضبط الخداع مع التطور السريع، أو معرفة ما يعرض للأجهزة من اختراق أو غيره عن طريق البرامج المتخصصة.
الدليل الثاني: أن عقد الزواج يشترط الإشهاد فيه (٦).
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١٨/ ٩١).
(٢) مجلة مجمع الفقه الإسلامي (٢/ ١٢٦٧، ١٢٦٨).
(٣) شرح عمدة الفقه، لابن جبرين (٢/ ١٢٤٧)، والأحكام الفقهية للتعاملات الإلكترونية، للسند، ص ٢٢٨، ومستجدات فقهية، للأشقر، ص ١١٠، وأحكام الأسرة في الإسلام، للشلبي، ص ٩٠.
(٤) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١٨/ ٩١).
(٥) حكم إبرام عقود الأحوال الشخصية والعقود التجارية، للنجيمي، ص ١٦، والأحكام الفقهية للتعاملات الإلكترونية، ص ٢٣١.
(٦) مسائل فقهية معاصرة، للسند، ص ٩٤، ومستجدات فقهية في قضايا الزواج للأشقر، ص ١٠٩.
[ ١٢٣ ]
الرد على التعليل: أن الشهود موجودون يسمعون الخطاب، ويشهدون على ما سمعوا وهم على معرفة بالعاقدين، ويمكن أن يُطلب من العاقدين معلومات عن هويتيهما للتثبت؛ بذكر رقم الهوية، وتاريخها، ومكان صدورها، وأسئلة أخرى (١).
القول الثاني: جواز إجراء عقد الزواج مشافهة بواسطة الاتصال الحديثة. وهو قول الدكتو ر عمر الأشقر (٢)، والدكتور محمد عقلة (٣)، والدكتور محمد النجيمي (٤)، والدكتور وهبة الزحيلي (٥)، وغيرهم (٦).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن ابن عمر قال: وجه عمر جيشًا ورأس عليهم رجلًا يدعى سارية، قال: فبينما عمر يخطب إذ جعل ينادي:
_________________
(١) مسائل فقهية معاصرة، للسند، ص ٩٤.
(٢) المرجعين السابقين، ومستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، للأشقر، ص ١١١.
(٣) أحكام الزواج، للأشقر، ص ٨٣، وحكم إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة، للإبراهيم، ص ١٣٥، في مجلة الشريعة- جامعة الكويت، السنة الثالثة، العدد الخامس.
(٤) حكم إبرام عقود الأحوال الشخصية والعقود التجارية عبر الوسائل الإلكترونية، للنجيمي، ص ١٤.
(٥) حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، للزحيلي (٢/ ٨٨٧)، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السادس.
(٦) مسائل فقهية معاصرة، للسند، ص، والأحكام الفقهية للتعاملات الإلكترونية، للسند، ص ٢٢٨٩٤.
[ ١٢٤ ]
يا سارية، الجبل، يا سارية، الجبل، ثلاثًا، ثم قدم رئيس الجيش فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، بينما نحن نقاتل العدو إذ سمعنا صوتًا ينادي: يا سارية، الجبل، ثلاثًا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله» (١).
وجه الاستدلال: قال ابن بدران (٢): «وجه الاستدلال بها أن سارية سمع عمر وهو بنهاوند- كما في بعض الطرق- وعمر كان في المدينة، فعمل سارية بما سمعه من الصوت» (٣).
الدليل الثاني: أن إجراء العقد مشافهة عبر وسائل الاتصال الحديثة تتوفر فيه شروط عقد النكاح من الإيجاب والقبول، وسماع الشهود للعاقدين، والموالاة بين الإيجاب والقبول (٤).
الدليل الثالث: أن المقصود من العقود هو الرضا؛ لكي يتمكن مَن عُرض عليه الإيجاب من المتعاقدين أن يتدبر أمره، فيقبل
_________________
(١) رواه ابن سعد في طبقاته (٦/ ١٥٣) عند ترجمة سارية، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ١٠١).
(٢) هو العلامة عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن بدران السفري الرومي، ثم الدمشقي الحنبلي. ولد سنة ١٢٦٥ هـ، وتوفي سنة ١٣٤٢ هـ، ومن مؤلفاته: "البدرانية شرح المنظومة الفارضية"، و"روضة الأرواح". معجم المؤلفين، لكحالة (٣/ ١٨٤)، والأعلام، للزركلي (٤/ ٣٧).
(٣) العقود الياقوتية في جيد الأسئلة الكويتية، لابن بدران، ص ٣٧٣.
(٤) مسائل فقهية معاصرة، للسند، ص ٩٤، وأحكام الزواج، للأشقر، ص ٨٣، ومستجدات فقهية في قضايا الزواج، للأشقر، ص ١٠٩.
[ ١٢٥ ]
الإيجاب أو يرفضه، وهذا متوفر في العقد مشافهة (١).
يمكن أن يرد على الدليل بأن اتحاد مجلس الإيجاب والقبول شرط، وهنا لم يتحقق الاتحاد؛ لأن أحد المتعاقدين غير حاضر (٢).
مناقشة الرد:
يمكن أن يرد عليه بأنه لا يوجد دليل يمنع من إجراء العقود مع اختلاف المجلس، وقد قال الفقهاء: «إن المجلس يجمع المتفرقات» (٣).
الترجيح:
الراجح- والله أعلم- القول الثاني القائل بجواز إجراء العقود مشافهة عبر وسائل الاتصال الحديثة؛ لما يلي:
١ - قوة أدلة القول الثاني.
٢ - أن الإشهاد على العقد مشافهة ممكن.
٣ - إمكان التحرز من الخداع والغش لتطور وسائل الاتصال الحديثة.