مما سبق من الترجيح في تكييف الشبكة أنها في حكم الهدية.
تحرير محل النزاع:
- أجمعوا أن الهبة التي يراد بها الصدقة لوجه الله تعالى لا يجوز لأحد الرجوع فيها (٢).
- وأنه لا فرق بين حكم الهدية والهبة (٣).
واختلف العلماء في حكمها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز الرجوع مع الكراهة التحريمية. وهو مذهب
_________________
(١) بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، للدريني (٢/ ٤٥٩)، ومحاضرات في عقد الزواج وآثاره، لأبي زهرة، ص ٥٥، وأحكام الزواج والطلاق في الإسلام، لأبي العينين، ص ٤١.
(٢) بداية المجتهد، لابن رشد (٤/ ١٥٤٢)، والمغني، لابن قدامة (٨/ ٢٧٩)، وفتح الباري، لابن حجر (٥/ ٢٧٨)، والاستذكار، لابن عبد البر (٢٢/ ٣١٢).
(٣) فتح الباري، لابن حجر (٥/ ٢٧٨).
[ ٨٧ ]
الحنفية (١)، وقول عند الشافعية (٢)، وقال بعض الحنفية: لا يصح الرجوع إلا بتراضيهما، أو بحكم حاكم (٣).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة (﵁) قال: قال رسول الله (ﷺ): «الرجل أحق بهبته ما لم يُثبْ منها» (٤).
وجه الدلالة: أن هذا الحديث نص في الباب، وأنه جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض (٥).
الرد: ويمكن الرد أن هذا الحديث ضعيف ولم يصح.
الدليل الثاني: الرجوع في الهبة مذهب عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر وغيرهم
_________________
(١) بدائع الصنائع، للكاساني (٦/ ١٩٣)، والاختيار لتعليل المختار، للموصلي (٢/ ٥٤١). واشترطوا خلوها من موانع سبعة:
(٢) الزيادة المتصلة.
(٣) موت أحد المتعاقدين.
(٤) العوض.
(٥) خروج الهبة من ملك الموهوب.
(٦) الزوجية.
(٧) القرابة.
(٨) هلاك العين الموهوبة. انظر: حاشية ابن عابدين (٨/ ٥٠٥، ٥١٣).
(٩) كفاية الأخيار، للحصني (١/ ٣٠٩).
(١٠) نتائج الأفكار تكملة فتح القدير مع الهداية، لقاضي زاده (٧/ ١٣٥).
(١١) سنن ابن ماجه (٣/ ١٣٠)، كتاب الهبات، باب من وهب هبة رجاء ثوابها، وقال البوصيري: "إسناده ضعيف؛ لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع". تعليقات مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه. مطبوع مع السنن.
(١٢) بدائع الصنائع، للكاساني (٦/ ١٩٣).
[ ٨٨ ]
(﵃ أجمعين) ولم يُعلَم لهم مخالفٌ، فكان إجماعًا (١).
الرد: لا نسلم لكم بأنه إجماع؛ لأن علماء الأصول اختلفوا على الإجماع السكوتي؛ هل يعتبر إجماعًا أم لا؟ (٢).
القول الثاني: لا يجوز الرجوع في الهبة إلا الوالد (٣). وهو مذهب المالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) (٧).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن ابن عباس (﵄) قال: قال النبي (ﷺ): «ليس
_________________
(١) بدائع الصنائع، للكاساني (٦/ ١١٩٣).
(٢) الفصول في الأصول، للجصاص (٣/ ٣٠٣)، والمستصفى، للغزالي (١/ ٣٥٨)، وشرح مختصر الروضة، للطوفي (٣/ ٧٨).
(٣) ليس على إطلاقه، بل جعل له المالكية شرطين:
(٤) ألاَّ يتزوج الابن.
(٥) ألاَّ يكون عليه دين. بداية المجتهد (٤/ ١٥٤٢)، وجعل له الحنابلة شروطًا:
(٦) أن تكون عينًا باقية في ملك الابن.
(٧) أن تكون العين باقية في تصرف الولد
(٨) ألاَّ تزيد زيادة متصلة. كشاف القناع، للبهوتي (١٠/ ١٥١)، والكافي، لابن قدامة (٣/ ٥٩٩، ٦٠١).
(٩) بداية المجتهد، لابن رشد (٤/ ١٥٤٢)، وحاشية الخرشي، للخرشي (٧/ ٤٢٧) ويسمونه الاعتصار.
(١٠) مغني المحتاج (٢/ ٥١٨)، وكفاية الأخيار (١/ ٣٠٩).
(١١) المغني، لابن قدامة (٨/ ٢٧٧)، والإنصاف مع الشرح الكبير، للمرداوي (١٧/ ٨١).
(١٢) وهناك قول للمالكية والحنابلة أن للأم أن ترجع في هبتها. بداية المجتهد (٤/ ١٥٤٢)، وقال بعض الحنابلة ترجع المرأة مطلقًا، وقيل: إن وهبت مخافة غضبه أو إضرار بها، بأن يتزوج عليها ونحو ذلك. شرح الزركشي (٤/ ٣١١، ٣١٢).
[ ٨٩ ]
لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» (١).
وجه الدلالة من الحديث:
وجه الدلالة ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة (٢).
الرد على وجه الدلالة من وجهين:
الأول: شبه بالكلب لخسة الفعل، ولدناءة الفاعل (٣).
الثاني: أن فعل الكلب لا يوصف بالحرمة الشرعية، بل بالقبح (٤).
مناقشة الوجهين:
الوجه الأول: يناقش بأنه تأويل بعيد ومنافرة لسياق الحديث (٥).
الوجه الثاني: أن هناك أحاديث وردت في النهي عن أمور، ولم يفهم منها إلا التحريم، مثل في الصلاة نهْيٌ عن إقعاء الكلب ونقر الغراب ونحوهما (٦).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ١٩٢)، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، ح (٢٦٢٢)، ومسلم (٥/ ٦٤)، كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده وإن سفل، ح (٤٢٦١)، واللفظ للبخاري.
(٢) شرح صحيح مسلم، للنووي (١١/ ٥٤)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ٣٣٣).
(٣) الاختيار لتعليل المختار، للموصلي (٢/ ٥٤٢).
(٤) بدائع الصنائع، للكاساني (٦/ ١٩٤).
(٥) فتح الباري، لابن حجر (٥/ ٢٧٩)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ٣٣٢).
(٦) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ٣٣٢).
[ ٩٠ ]
الدليل الثاني: عن ابن عمر وابن عباس (﵃)، عن النبي (ﷺ) قال: «لا يحل للرجل أن يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه» (١).
وجه الدلالة:
وجه الدلالة من الحديث ظاهر في التحريم (٢)، وأنه نص في المسألة.
الرد: يحمل على نفي الحِلِّ من حيث المروءة والخلق، لا من حيث الحكم، ويحتمل أنه رجع إليه بلا قضاء ولا رضاه (٣).
المناقشة:
سبق مناقشتهم في الدليل السابق من وجهين (٤)، ويضاف هنا أن هذا نص واضح في عدم الحل، فلا يحتمل تأويلاتهم.
_________________
(١) سنن الترمذي، ص ٦١٩، كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة، ح (٢١٣١)، وأبو داود (٤/ ١٩٤)، كتاب البيوع، باب الرجوع في الهبة، ح (٣٥٣٣)، والنسائي (٦/ ٥٧٦)، كتاب الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، ح (٣٦٩٢)، وابن ماجه (٣/ ١٢٦)، كتاب الهبات، باب من أعطى ولده ثم رجع فيه، ح (٢٣٧٧) دون زيادة: "ومثل الذي يعطي .. ". صححه الترمذي، وقال الألباني: صحيح. إرواء الغليل (٦/ ٦٥)، كتاب الوقف، باب الهبة، ح (١٦٢٤).
(٢) تحفة الأحوذي، للمباركفوري (٦/ ٣٣٣).
(٣) بدائع الصنائع، للكاساني (٦/ ١٩٤).
(٤) انظر ص ٩٠.
[ ٩١ ]
القول الثالث: وهو القول بالتفصيل: إن كان الرجوع من قبل الخاطب، فلا تسترد الهدايا، وإن كان الرجوع من قبل المخطوبة؛ فللخاطب استرداد الهدايا إلا لعرف أو شرط (١).
أدلة القول الثالث:
لم تذكر المراجع أدلة لهذا القول، وأدلة القولين السابقين لا تتكيَّف مع هذا التفصيل، وقد علل بعض العلماء لهذا القول فقال: "حتى لا يجمع على المهدى إليه بين ألم العدول وألم الاسترداد، إن لم يكن هو الذي عدل عن الخطبة" (٢).
الرد على الدليل:
ويمكن الرد أن هذا تعليل في مقابل أدلة ثابتة صريحة الدلالة، فلا يصرف إلا بأدلة مثلها.
الترجيح:
الذي يظهر لي- والعلم عند الله- القول الثاني، وهو قول الجمهور القائل بعدم الرجوع إلا الوالد لولده، لأمور:
١ - صحة أدلة القول الثاني.
٢ - ضعف أدلة القول الأول.
_________________
(١) حاشية الدسوقي (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠)، وقال: "الأوجه الرجوع عليها إذا كان الامتناع من جهتها إلا لعرف أو شرط". والشرح الصغير لدردير مع حاشية الصاوي (٢/ ٣٤٨)، وقال: "وقيل: إن كان الرجوع من جهتها فله الرجوع عليها؛ لأنه نظير شيء لم يتم".
(٢) الأحوال الشخصية، لأبي زهرة، ص ٣٩، ٤٠.
[ ٩٢ ]
٣ - وضوح الأدلة في الدلالة على الحكم في القول الأول.
٤ - عدم وجود أدلة في القول الثالث للرد على القول الثاني.