تحرير محل النزاع:
اتفق أهل العلم على بطلان النكاح الذي يتم بغير شهود ولا إعلان.
قال ابن تيمية: «نكاح السر الذي يتواصون بكتمانه، ولا يشهدون عليه أحدًا، باطل عند عامة العلماء، وهو من جنس السفاح» (٣).
واتفق أهل العلم على صحة النكاح الذي شهد عليه رجلان فصاعدًا، وتم الإعلان عنه.
قال ابن تيمية: «إذا اجتمع الإشهاد والإعلان؛ فهذا لا نزاع في صحته» (٤).
_________________
(١) السيل الجرار، للشوكاني (٢/ ٢٥٣).
(٢) هذا في الجملة، وإلا في دار الحرب فقد اختلفوا على قولين كذلك. المراجع السابقة.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٣/ ١٥٨).
(٤) المرجع السابق (٣٢/ ١٣٠).
[ ٢١٨ ]
واختلف العلماء في النكاح الذي شهد عليه الشهود، ولكنهم لم يعلنوه للناس، وتواصوا بكتمانه، واختلفوا في النكاح الذي أعلن عنه ولم يحضر أحد الشهود.
وقبل أن أدخل في الخلاف بالمسألة، أود أن أشير إلى قول ابن رشد (١) - ﵀-: «واتفقوا على أن الشهادة من شرط النكاح، واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول، أو شرط صحة يؤمر به عند العقد؟» (٢)، وعلى ذلك متأخري المالكية (٣)، أن الإشهاد ركن من عقد النكاح لا يصح النكاح بدونه، وبهذا فلا خلاف بينهم وبين الجمهور، وقال بعض المالكية: إن مذهب مالك عدم الإشهاد، وإنه يكتفي بالإعلان (٤).
القول الأول: يصح عقد الزواج من غير إشهاد، وإنما هو شرط كمال وفضيلة، ويُكتفى بالإعلان. وهو وقول المالكية (٥) ورواية عن أحمد (٦).
_________________
(١) هو الإمام محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الوليد بن رشد الشهير بالحفيد. ولد سنة ٥٢٠ هـ، وتوفي سنة ٥٩٥ هـ، من مؤلفاته: الكليات في الطب، واختصار المستصفى في الأصول. شجرة النور الزكية، لمخلوف، ص ١٤٦، والأعلام، للزركلي (٥/ ٣١٨).
(٢) بداية المجتهد، لابن رشد (٣/ ٩٦٣).
(٣) تقريب المعاني على متن الرسالة، للأزهري، ص ١٣٤، والشرح الصغير، للدردير (٢/ ٣٣٥).
(٤) الاستذكار، لابن عبد البر (١٦/ ٢١٤)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٣/ ٤٧٢).
(٥) المرجعين السابقين، والمعونة، للقاضي عبد الوهاب (١/ ٤٩٤).
(٦) المغني، لابن قدامة (٩/ ٣٤٧).
[ ٢١٩ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن البيوع ذكَر الله الإشهاد عليها، وقام الدليل على الإشهاد فيها، والنكاح لم يذكر الله فيه الإشهاد، فأحرى ألاَّ يكون الإشهاد فيه من شروطه وفرائضه، وأنه مما تعم به البلوى (١).
الرد على الدليل الأول:
ورد في الحديث: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٢).
الدليل الثاني:
لم يثبت عن النبي ﷺ دليل في الإشهاد على الزواج، فتبين أنه ليس مما أوجبه الله على المسلمين في مناكحهم، وإنما الذي ورد في نكاح لم يحضره إات رجل وامرأة (٣).
الرد على الدليل:
ويمكن الرد أن الدليل قد صحَّ في الشهود.
الدليل الثالث:
عن أنس ﵁ قال: أقام النبي (ﷺ) بين خيبر والمدينة ثلاث ليالٍ يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلا بالأنطاع فبسطت، فألقى عليها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون:
_________________
(١) الاستذكار، لابن عبد البر (١٦/ ٢١٤)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٣/ ٤٧٢)، والمغني، لابن قدامة (٩/ ٣٤٨)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٢/ ١٢٧).
(٢) رواه الدارقطني في سننه (٤/ ٣٢٢)، كتاب النكاح، ح (٣٥٣١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٠٣)، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بشاهدي عدل، ح (١٣٧٢١)، وقال الألباني: حديث صحيح. إرواء الغليل (٦/ ٢٥٨).
(٣) الاستذكار، لابن عبد البر (١٦/ ٢١٦).
[ ٢٢٠ ]
إحدى أمهات المؤمنين هي، أو ما ملكت يمينه؟ قالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطَّأ لها خلفه ومد الحجاب (١) (٢).
وجه الدلالة من الحديث:
أن أصحاب النبي ﷺ استدلوا على أنها من أمهات المؤمنين بالحجاب، ولو كان أشهد على نكاحها لعلموا ذلك بالإشهاد، وهذا يدل على صحة العقد، وأنه لا يتوقف على الإشهاد (٣).
الرد على الدليل:
نكاح النبي ﷺ بلا شهود مِن خصائص النبي (ﷺ)، فقد أباح الله له الزواج ممن وهبته نفسها، فالتزوج بلا شهود من باب أولى (٤).
القول الثاني: الإشهاد شرط لصحة النكاح. وهو مذهب الجمهور من الحنفية (٥) ومتأخري المالكية (٦) والشافعية (٧) والحنابلة- في المشهور (٨) -.
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٩١ - ٩٢)، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ح (٤٢١٣).
(٢) المغني، لابن قدامة (٩/ ٣٤٨).
(٣) شرح ابن بطال على صحيح البخاري، لابن بطال (٧/ ١٨٠).
(٤) المغني، لابن قدامة (٩/ ٣٤٨).
(٥) المبسوط، للسرخسي (٥/ ٢٨)، والاختيار لتعليل المختار، للموصلي (٣/ ٤١).
(٦) تقريب المعاني على متن الرسالة، للأزهري، ص ١٣٤، والشرح الصغير، للدردير (٢/ ٣٣٥).
(٧) الأم، للشافعي (٥/ ٣٥)، والحاوي الكبير، للماوردي (٤/ ٦٤).
(٨) المغني، لابن قدامة (٩/ ٣٤٧)، والكافي، لابن قدامة (٤/ ٢٣٧).
[ ٢٢١ ]
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
أن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (١).
وجه الدلالة:
النص واضح في اشتراط الولي والشهود.
الدليل الثاني:
لما خالف النكاح سائر العقود في تجاوزه عن المتعاقدينِ إلى ثالثٍ، هو الولد، الذي يَلْزم حفظُ نسبه، خالفهما في وجوب الشهادة عليه حفظًا لنسب الولد الغائب؛ لئلا يبطل نسبه بتجاحد الزوجين (٢).
القول المختار- والله أعلم- القول بوجوب الشهود، وذلك لما يلي:
١ - صحة الدليل في الشهود.
٢ - وضعف أدلة القول الأول.
تنبيه: قال الدكتور الأشقر: «وهذا الاختلاف ليس له أثر في هذه الأيام؛ لأن عقود النكاح لا تسجل إلا إذا أُشهد عليها، وإذا أشهد عليها وسجلت أُعلن عنها، وتكون بذلك قد صحَّت على مذاهب أهل العلم من غير خلاف» (٣).
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٢٢٠.
(٢) الحاوي الكبير، للماوردي (٩/ ٥٨).
(٣) أحكام الزواج، للأشقر، ص ١٦٩.
[ ٢٢٢ ]
وبعد هذا نستطيع أن نقول: إن الزواج المدني لا يجوز، وذلك لما يلي:
١ - لعدم اشتراط الدين عند الزوجين.
٢ - ولإهمال الولي وعدم ذكره ولا اعتباره.
٣ - وأن صيغته استفهامية خلافًا للعلماء ولم تكن منجزة.
٤ - لا ذكر للمهر، ولا حق للزوجة فيه.
٥ - الشهود أمرهم اختياري.
٦ - والشهود ليس لهم شروط، بل له أن يحضر أي شاهد عدل أو غيره، مسلم أو كافر.
[ ٢٢٣ ]