الحكمة من النكاح
في هذا المطلب حكمة النكاح ومقاصده مسترشدا بكلام الفقهاء رحمهم الله تعالى.
قال السرخسي (١): «يتعلق بهذا العقد أنواع من المصالح الدينية والدنيوية، من ذلك حفظ النساء، والقيام عليهن والإنفاق، ومن ذلك صيانة النفس عن الزنى، ومن ذلك تكثير عباد الله تعالى وأمة الرسول - ﷺ -، وتحقيق مباهاة الرسول - ﷺ -» (٢).
قال الشاطبي (٣) - ﵀-: «النكاح مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح
_________________
(١) شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهيل، كان أصوليًا متكلمًا مناظرًا، ومن مؤلفاته: أصول الفقه، والنكت، وأملى المبسوط وهو في السجن. توفي ٤٩٠ هـ، وقيل: ٥٠٠ هـ. انظر: تاج التراجم ص ٢٣٤، ٢٣٥، والفوائد البهية، للكنوي، ص ١٥٩، ١٥٨، وطبقات الحنفية، لابن الحنائي (٢/ ٧٢، ٧٧).
(٢) المبسوط، للسرخسي (٤/ ١٩٢، ١٩٣).
(٣) هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، توفي ٧٩٠ هـ، ومن مؤلفاته: الاعتصام والإفادات والإنشادات. انظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، ص ٤٨، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ص ٢٣١.
[ ٥٠ ]
الدنيوية والأخروية، من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج، ونظر العين، والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله على العبد وما أشبه ذلك» (١).
وهذه المصالح هي:
١ - حفظ النسل أو النسب (٢): ولا يكون إلا عن طريق الزواج، وباستمراره تكثر الأمة، وتحقق خلافة الإنسان في الكون، وتعمر الأرض، ولهذا جعل الله تعالى الإضرار بالنسل من أكبر الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ (٣).
وكذلك يدخل النكاح على بعض الضروريات؛ كحفظ الدين والنفس والعرض، أما حفظ الدين فجاءت الشريعة بالحث على ذات الدين من الرجال والنساء، فقد جاء في الحديث: «تنكح المرأة لأربع فاظفر بذات الدين تربت يداك» (٤)، وفي الحديث الآخر:
_________________
(١) الموافقات، للشاطبي (٣/ ١٣٩).
(٢) انظر اختلاف العلماء في تسمية هذا المقصد، هل هو النسب أو النسل أو البضع؟ . مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، لليوبي، ص ٢٤٩، ٢٣٧، والنسل .. دراسة مقاصدية، لزوزو ص ٦٨، ٥٦.
(٣) سورة البقرة، الآيات: ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٤) رواه البخاري في صحيحه (٦/ ١٤٩)، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، ح رقم (٥٠٩٠)، ومسلم (٤/ ١٧٥) في كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، برقم (١٤٦٦).
[ ٥١ ]
«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه؛ فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض» (١).
وأما حفظ النفس؛ فلأنه بالنكاح تبقى الأنفس وتكثر، وكذلك إحصان للزوجين عن الزنى الموجب للحد، ويحفظ الرجل زوجته كيلا تكون مطمعًا لضعفها.
وأما حفظ العرض، فلا يخفى على أحد ما للزواج من حفظ عرض البشرية؛ لأن كلا الزوجين يفرغ غريزته الفطرية عند الآخر بالحلال، ويؤجر عليها، وقد جاء في الحديث: «وأحصن للفرج» (٢)، فهو نص في إحصان الناس من الوقوع في المحرمات والقبائح.
وأما حفظ المال، فإن الشريعة أمرت بحفظ المال، وعدم تضييعه، ولا جعله في يد السفهاء، فالذي يجمع المال لكي يتزوج مأجور إذا نوى امتثال أمر الله، وطلب العفة، وبهذا حفظ ماله، وكذلك نفقته على زوجته وعياله له فيها أجر، وفي الحديث: «حتى ما تجعل في في امرأتك» (٣).
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه ص ٣٣٦، كتاب النكاح، باب ما جاء من؟؟؟ ترضون دينه فزوجوه، ح رقم (١٠٨٥)، وابن ماجه في سننه (٢/ ٤٧٣)، كتاب النكاح، باب الأكفاء، ح رقم (١٩٦٧). حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٩٦)، ح رقم (١٠٢٢).
(٢) سبق تخريجه ص ٣٠.
(٣) رواه البخاري في صحيحه (١/ ٢٤)، واللفظ له، في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، ح رقم (٥٦)، ومسلم في صحيحه (٥/ ٧١) في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، ح رقم (١٦٢٨).
[ ٥٢ ]
٢ - العفاف في الزواج هو السبيل لحفظ الزوجين من الوقوع في الفاحشة، والتحصن من الشيطان، ودفع غوائل الشهوة، وذلك باستمتاع كلا الزوجين بالآخر بقضاء الشهوة، وإشباع الغريزة، وهو أمر ضروري للإنسان؛ لأن الله تعالى خلق الذكر والأنثى، وجعل من كل منهما ميلًا للآخر، ولذا شرع الله الزواج والاستمتاع، وهو مما أحله الله، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١)، وفي الحديث: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة» (٢).
٤ - السكن والمودة والرحمة: يتحقق السكن النفسي للإنسان من متاع الحياة بالزواج، وبه تكون المحبة والألفة والمودة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).
٥ - في الزواج امتثال لله تعالى، واتباع لسنة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، وقد ذكرت الأدلة على ذلك في حكم النكاح (٤).
_________________
(١) سورة النساء، آية: ٢٤.
(٢) رواه مسلم في صحيحه (٤/ ١٧٨)، كتاب الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ح رقم (١٤٦٩).
(٣) سورة الروم، آية: ٢١.
(٤) سبق ذكره مفصلًا في ص ٣٢.
[ ٥٣ ]
الفصل الأول