رؤية المخطوبة من خلال الإنترنت
الأصل عند جمهور العلماء جواز النظر إلى المخطوبة (١)، بل نقل ابن قدامة الإجماع على ذلك، وقال: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها» (٢).
وهذا الإجماع فيه نظر (٣)، ولعله نقله من باب أن الذي خلافه غير معتبر (٤)، وأن أصحاب المذاهب المشهورة أجمعوا على ذلك، وأن من خالف تمسك بعموم الأدلة الناهية عن النظر إلى المرأة، وقد خص بأدلة الجمهور.
واستدل الجمهور بما يلي:
١ - حديث أبي هريرة (﵁) قال: كنت عند النبي - ﷺ -، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٤/ ٦٧)، وحاشية الخرشي على مختصر خليل (٤/ ١٢٢)، ومغني المحتاج (٣/ ١٧٢)، والمغني (٩/ ٤٨٩).
(٢) المغني، لابن قدامة (٩/ ٤٨٩).
(٣) بداية المجتهد، لابن رشد (٣/ ٩٣٨)، وشرح معاني الآثار، للطحاوي (٣/ ١٤).
(٤) نقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم، انظر: فتح الباري (٩/ ٨٨).
[ ٦٣ ]
"أنظرت إليها"؟ قال: لا، قال: «فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئًا» (١).
٢ - حديث المغيرة بن شعبة (﵁)، أنه خطب امرأة، فقال له النبي - ﷺ -: «انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (٢).
٣ - حديث سهل بن سعد، أن امرأة جاءت إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ -، فصعدد النظر إليها وصوبه » (٣).
٤ - حديث جابر بن عبد الله (﵄) قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها؛ فليفعل» (٤).
وبعد ذكر أدلة الجمهور على جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته، فإن النظر عن طريق الإنترنت لا يخلو من حالتين:
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ١٤٢)، كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، ح (٣٥٥٠).
(٢) رواه الترمذي في سننه، ص ٣٣٦، كتاب النكاح، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، ح (١٠٨٧)، واللفظ له، والنسائي في سننه (٦/ ٣٧٨)، كتاب النكاح، باب إباحة النظر إلى المرأة قبل التزويج، ح (٣٢٣٥)، وابن ماجه في سننه (٢/ ٤١٩)، كناب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ح (١٨٦٦)، قال البوصيري: صحيح رجاله ثقات.
(٣) رواه البخاري (٦/ ١٦٠)، كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة قبل التزويج، ح (٥١٢٦).
(٤) رواه أبو داود في سننه (٣/ ١٩)، كتاب النكاح، باب الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها، ح (٢٠٧٥)، ورواه الحاكم (٢/ ١٦٥) وصححه وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
[ ٦٤ ]
الحالة الأولى: أن تكون الرؤية عن طريق صورة (١) لها تُرسل عن طريق الكمبيوتر، وقد اختلف العلماء المعاصرون فيها على قولين:
القول الأول: عدم جواز رؤية المخطوبة عن طريق الصورة، وهو قول الشيخ ابن باز وابن عثيمين واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢).
أدلة أصحاب القول الأول:
١ - حديث ابن عباس (﵄) قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم» (٣).
_________________
(١) وأما نفس التصوير الفوتوغرافي فقد اختلف فيه العلماء، فمنهم من حرمه، واستدل بالأحاديث المتوعدة المصورين بالعذاب، ومنهم من أباحه، وحمل أحاديث التصوير على المجسمات، والأولى ترك التصوير، وعدم التساهل فيه إلا لحاجة وضرورة أو مصلحة عامة. انظر: فقه السنة، لسيد سابق (٢/ ٥٤)، وأحكام التصوير في الفقه الإسلامي، لواصل، ص ٣١٢، والقيود الواردة على الحرية في مجال الصناعة، لإبراهيم ص ٢١٤.
(٢) فتاوى إسلامية، للمسند (٣/ ١٢٨)، وموسوعة الزواج الإسلامي السعيد للمصري، ص ٢٨٨، وموقع الإسلام سؤال وجواب، فتوى رقم (٤٠٢٧): http://islamqa.info/ar/ref/، وأحكام التصوير في الفقه الإسلامي لواصل، ص ٥٧٦، ومجموع فتاوى ومقولات متنوعة، لابن باز (١/ ٤٣٧)، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١/ ٧١١).
(٣) رواه البخاري في صحيحه (٧/ ٨٨)، كتاب اللباس، باب مَن صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفح فيها الروح وليس بنافخ، ح (٥٩٦٣).
[ ٦٥ ]
٢ - حديث عبد الله بن مسعود (﵁) قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون» (١)، وغيرهما من الأدلة الدالة على تحريم التصوير، وقد جاءت بصيغة العموم لتشمل جميع أنواع التصوير (٢).
الرد على وجه الاستدلال: أن الأدلة جاءت في التصوير اليدوي، وأن هناك فرقًا بين التصوير الآلي والتصوير اليدوي (٣).
المناقشة:
إن هذا التفريق لا دليل عليه، وإن ما يخرج من الآلة يسمى صورة، ومن يصور يسمى مصورًا وإن كان لا يشمله النص الصريح؛ لأنه ليس باليد، وليس فيه مضاهاة لخلق الله، إلا أنه ضرب من ضروب التصوير، ويقتصر في الإباحة على الضرورة؛ كالجنسية وغيرها (٤).
٣ - أن الصورة لا تعطي حقيقة الأمر بالنسبة للمصور، فقد يُدخل عليها تعديلات تجملها، وهو ما يعرف بعملية التحريف
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه (٧/ ٨٥)، كتاب اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة، ح (٥٩٥٠).
(٢) أحكام التصوير في الفقه الإسلامي، لواصل، ص ١٠٩.
(٣) الحلال والحرام في الإسلام، للشيخ يوسف القرضاوي، ص ١١٠، تفسير آيات الأحكام، لمحمد السايس وآخرين (٤/ ٤٣١).
(٤) روائع البيان، للصابوني (٢/ ٤١٦).
[ ٦٦ ]
والدبلجة، وهذه جهالة لحقيقة المصوّر، وإزالتها تكون بالرؤية البصرية (١).
٤ - قد تتجمل المخطوبة في الصورة، فـ"تتمكيج" لتظهر صورتها أجمل مما هي عليه في الواقع (٢).
الرد على الدليلين: أن ما يحذر منه الخاطب قد يكون في الرؤية البصرية، فقد "تتمكيج" المرأة وتتجمل وتمتشط بالوسائل الحديثة (٣).
المناقشة:
إنه في حالة الرؤية البصرية يمكن أن تفعل ذلك، لكنه يكون ظاهرًا للخاطب، والتدليس فيه يسير بخلاف الصور (٤).
٥ - أنه ربما يشارك الخاطب غيره في رؤية صورة المخطوبة، وقد ينسخها وينشرها (٥).
٦ - وربما تبقى الصورة عند الخاطب ويعدل عن الخطبة، ويتلذذ بالنظر إليها، ويُريها للناس، فتكون سببًا لوقوعهم في الزنى (٦).
_________________
(١) فتاوى إسلامية (٣/ ١٢٨)، وخطبة النكاح، لعتر، ص ٢٢٥، وأحكام التصوير في الفقه الإسلامي، لواصل، ص ٥٧٦، وخطبة النكاح لعتر ٢٢٥.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) أحكام التصوير في الفقه الإسلامي، ص ٥٧٧.
(٤) المرجع السابق.
(٥) أحكام الزواج في الكتاب والسنة، للأشقر، ص ٦١، وأحكام التصوير في الفقه الإسلامي، لواصل ص ٥٨١.
(٦) المرجعين السابقين.
[ ٦٧ ]
الرد على الدليلين: أن الصورة تكون بأيدي أمينة، بحيث ترجع الأمانة إلى أصحابها (١).
المناقشة: إن الخاطب قد ينسخ الصورة قبل أن يرجعها (٢).
القول الثاني: يجوز إرسال صورة المخطوبة للخاطب (٣). وزاد الدكتور عمر الأشقر أنه يتأكد الجواز إذا كان في مكان ناءٍ بعيد (٤).
أدلة القول الثاني:
١ - استدلوا بأدلة جواز النظر إلى المخطوبة (٥).
وجه الدلالة: أن الصور داخلة في الأحاديث السابقة.
٢ - القياس على النظر المباشر من باب قياس الأولى (٦).
الرد على الدليلين: بعدم التسليم وعدم صحة القياس، وإذا
_________________
(١) خطبة النكاح، لعتر، ص ٢٢٦.
(٢) أحكام التصوير في الفقه الإسلامي، لواصل، ص ٥٨١.
(٣) خطبة النكاح، لعتر، ص ٢٢٥، وأحكام النظر إلى المخطوبة، لحسون، ص ٩٢، وخطبة النساء في الشريعة الإسلامية، للعطار، ص ١١٧، وأحكام الزواج في الكتاب والسنة، للأشقر، ص ٦١، وموسوعة الزواج الإسلامي السعيد، للمصري، ص ٢٨٨، وأفراحنا ما لها وما عليها، للسلمي، ص ٧٣.
(٤) أحكام الزواج، للأشقر، ص ٦١.
(٥) سبق ذكر بعض الأدلة، ص ٦١.
(٦) أحكام النظر إلى المخطوبة، لحسون، ص ٩٢.
[ ٦٨ ]
سلمنا، فإن المرجع إلى الشرع، فإن الزواج يصح بدون الرؤية لو لم يرها الخاطب، وإن الشرع عندما لم يستطع الخاطب رؤية مخطوبته عدل إلى إرسال امراة تراها، وتخبر عنها، ولو لغير الوجه والكفين؛ لحديث أنس (﵁)، أن النبي - ﷺ - أرسل أم سليم تنظر جارية فقال: "شمي عوارضها، وانظري عرقوبيها" (١).
الترجيح:
الراجح- والعلم عند الله- القول الأول القائل بعدم جواز رؤية المخطوبة عبر الصور.
١ - أن الشرع أجاز رؤية المخطوبة رؤية مباشرة، فلا يعدل إلى غيرها؛ لما فيه من الضرر.
٢ - قوة أدلتهم ووجاهتها.
٣ - أن الشرع لما عدل عن رؤية المخطوبة؛ جعل بدلًا عنها إرسال امرأة تنظر إليها، وتخبره بأوصافها.
٤ - أن الصورة تخالف الواقع، وتدخل بسببها مفاسد على المرأة، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح.
الحالة الثانية: أن تكون الصور متحركة، أي تصوير فيديو، وترسل للخاطب حتى يراها، ولا تخلو من حالتين:
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٢١/ ١٠٥ - ١٠٦)، ح (١٣٤٢٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٣٧)، كتاب النكاح، باب من بعث بامرأة لتنظر إليها، ح (١٣٥٠١)، قال الهيثمي: "رجال أحمد ثقات". مجمع الزوائد (٤/ ٢٧٩)، والحاكم في مستدركه (٢/ ١٦٦)، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وحسنه الأرناءوط في تحقيق المسند.
[ ٦٩ ]
إما أن تصور مقطعًا ثم ترسله، أو تكون مباشرة عن طريق برامج الكمبيوتر.
القول الأول: عدم جواز تصوير الفيديو لرؤية المخطوبة (١).
أدلة القول الأول:
١ - الأدلة السابقة في تحريم التصوير (٢).
٢ - التعليلات السابقة التي ترد على الصورة (٣).
٣ - أن شريط الفيديو المسجل قد يكون قديمًا.
٤ - أن تصوير الفيديو وإن كان حيًّا بخلاف الصورة، إلا أنه لا يسلم من الضرر، وأن التصوير لا يكون كالحقيقة.
القول الثاني: يجوز تصوير المخطوبة عن طريق الفيديو، وقالت وزارة الأوقاف الكويتية بالكراهة (٤).
أدلة القول الثاني:
١ - الأدلة السابقة في جواز رؤية المخطوبة (٥)، وأن الصور
_________________
(١) وهو مقتضى قول من قال بتحريم الصور الثابتة الفوتوغرافية. المراجع السابقة، ص ٦٥، وفقه السنة (٢/ ١٤٤).
(٢) سبق ذكرها ص ٦٥ وما بعدها.
(٣) سبق ذكرها ص ٦٦ وما بعدها.
(٤) مجموعة الفتاوى الشرعية (١٨/ ٤٧٨)، والمراجع السابقة في القول بجواز إرسال الصورة للخاطب ص؟؟؟، ومستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، للأشقر، ص ١٠٣، وموقع الإسلام سؤال وجواب، رقم الفتوى: http://islamqa.info/ar/ref/166249.
(٥) سبق في ص ٦٣ وما بعدها.
[ ٧٠ ]
المعاصرة داخلة في معنى النصوص (١).
٢ - أن صورة تصوير الفيديو قريبة من الحقيقة، وتنتفي فيها المحاذير التي في الصورة الفوتوغرافية.
الرد: صحيح أنها أخف من الصورة الفوتوغرافية، ولكنها لا تسلم من المحاذير، وقد لا تسلم من الذين لا يخافون الله، الذين يسرقون ما في أجهزة الناس (٢).
الترجيح- والله أعلم-: أرجح الرأي القائل بعدم الجواز؛ لأن الشرع أغنانا عن هذه الوسائل التي لا تخلو من محظور، وأن من لم يستطع رؤية المخطوبة يرسل امرأة تراها له كما فعل رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) سبق الرد عليه ص ٦٨ وما بعدها.
(٢) وهو ما يسمى بالقرصنة المعلوماتية: (وهي سرقة امعلومات من برامج وبيانات مخزنة في دائرة الحاسوب بصورة غير شرعية، أو نسخ برامج بصورة غير شرعية، بعد تمكن مرتكب هذه العملية من الحصول على كلمة السر، أو بواسطة النقاط الموجات الكهرومغناطيسية الصادرة عن الحاسب الآلي أثناء تشغيله، وباستخدام هوائيات موصلة بحاسبة خاصة) جرائم الحاسي الآلي، المناعسة وآخرون ص ١٥٣. .
[ ٧١ ]