هذه المسألة المعاصرة لم يذكرها العلماء المعاصرون، وعند دراستي للمسألة وجدت أنه يمكن تخريجها على الحيل، وأصلها من الحول، وقد تكلم العلماء قديمًا على الحيل، فالحيلة لغة لها عدة معانٍ، منها: الحذق في تدبير الأمور، وجودة النظر، والقدرة على التصرف، وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، ومنها الاحتيال، وهو تحول المرء عما يكرهه إلى ما يحبه، وما يتوصل به إلى حالةٍ ما في خُفية، وأكثر استعمالها فيما فيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة (١).
وأما اصطلاحًا، فقد اختلف فيها العلماء، وقريب معناها اللغوي من الاصطلاحي:
التعريف الأول: «ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي» (٢).
التعريف الثاني: «التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعًا أو عقلًا أو عادة» (٣).
_________________
(١) القاموس المحيط، ص ٩١٠، والمصباح المنير، ص ١٣٦، والتعريفات، ص ١٥٨، ومفردات ألفاظ القرآن، ص ٢٦٧.
(٢) فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٣٤٢)، وعمدة القاري، للعيني (٢٤/ ١٠٨).
(٣) أعلام الموقعين، لابن قيم الجوزية (٥/ ١٨٨).
[ ١٣٢ ]
التعريف المختار- والله أعلم- التعريف الأول، لما يلي:
١ - لأنه يبين الماهية من التعريف.
٢ - ولأن فيه خفية.
٣ - ولاتفاق عالمين جليلين على هذا التعريف، وهما شارحا البخاري: ابن حجر (١)، والعيني (٢).
٤ - وأن التعاريف الأخرى لا تخلو من إمكان نقدها، مثل ذكر الحكم في التعريف، كما في التعريف الثالث والسادس، والدور كما في الثاني، وأن الأول أشبه بتعريف المصلحة، ولا يلزم التلطف بالحيل، وأما الرابع فهو مشابه في المعنى للتعريف المختار، والمختار أدق منه.
حكم الحيل: اختلف العلماء في حكمها على قولين، وقد نظمهما ابن عاصم الأندلسي (٣):
وجل أهل العلم يمنع الحيل لقلب حكم أو لإسقاط عمل
_________________
(١) هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني. ولد سنة ٧٧٣ هـ، وتوفي سنة ٨٥٢ هـ، ومن مؤلفاته: لسان الميزان، والدرر الكامنة. الضوء اللامع، للسخاوي (٢/ ٣٦).
(٢) هو بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العيني الحنفي. ولد سنة ٧٦٢ هـ، وتوفي سنة ٨٥٥ هـ، ومن مؤلفاته: البناية على الهداية، ورمز الحقائق في شرح كنز الدقائق. الضوء اللامع، للسخاوي (١٠/ ٩٣١).
(٣) هو أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي. ولد سنة ٧٦٠ هـ، وتوفي سنة ٨٢٩ هـ، ومن مؤلفاته: تحفة الحكام، ومهيع الوصول إلى علم الأصول. شجرة النور الزكية، لمخلوف، ص ٢٤٧. دار الفكر.
[ ١٣٣ ]
ما لم يك الشرع يراعيه فذا فيه الجواز باتفاق يحتذى
كمثل ما روعي فيمن يكره فاحتال أن يفعل شيئًا يكره
إلى أن قال ملتمسًا العذر لمن أجاز الحيل:
ومن أجاز فأدى اجتهاده أدَّى لذا والخلف في شهادة
ولا يقال إنه تعمدا خلاف قصد الشرع فيما اعتمدا
وواجب في مشكلات الحكم تحسيننا الظن بأهل العلم (١)
تحرير محل النزاع: قال ابن حجر: «والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم: هل المعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل » (٢).
القول الأول: أن الحيل حرام، وأن تحريمها قطعي، وليست من مسالك الاجتهاد. وهو قول ابن تيمية (٣) وابن القيم (٤) والشاطبي (٥).
_________________
(١) مرتقى الوصول، لابن عاصم، ص ٥٩، ٦٠.
(٢) فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٣٤٢).
(٣) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الدمشقي. ولد سنة ٦٦١ هـ، وتوفي ٧٢٨ هـ، ومن مؤلفاته: منهاج السنة، والجواب الصحيح. الذيل على طبقات الحنابلة (٤/ ٤٩١).
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي. ولد سنة ٦٩١ هـ، وتوفي ٧٥١ هـ، ومن مؤلفاته: زاد المعاد، وعدة الصابرين. الذيل على طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٠).
(٥) بيان الدليل، لابن تيمية، ص ٥٦، وإغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٥٨١)، وأيضًا في أعلام الموقعين (٥/ ٢٤١)، والموافقات، للشاطبي (٣/ ١٠٩).
[ ١٣٤ ]
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (١).
وجه الاستدلال من الآية:
أن المنافقين يخدعون أنفسهم، وأن الله خادع من يخدعه، والمخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه لتحصيل المقصود (٢).
الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
وجه الاستدلال من الآية:
أنهم احتالوا على الصيد يوم السبت بحيلة تحيلوا بها، وفي ظاهرها أنهم لم يصيدوا يوم السبت (٤).
الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٥).
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١٥.
(٢) بيان الدليل، ص ٦٢، والموافقات (٣/ ١٠٩)، وإغاثة اللهفان (١/ ٥٨٣).
(٣) سورة البقرة، آية: ٦٥، ٦٦.
(٤) بيان الدليل، ص ٧١، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٤/ ١٠٥).
(٥) سورة البقرة، آية: ٢٣١.
[ ١٣٥ ]
وجه الدلالة من الآية:
أن الله حرم إرجاع المرأة بقصد مضارتها، مثل أن يطلقها ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها، ثم يطلقها حتى تشارف انقضاء العدة، وهكذا لا يرتجعها لغرض له فيها سوى الإضرار بها (١).
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٢).
وجه الاستدلال من الآية:
أن يوصي بأكثر من الثلث، أو يوصي لوارث احتيالًا على حرمان بعض الورثة (٣).
الدليل الخامس: عن عمر بن الخطاب (﵁) قال: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «يا أيها الناس، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى » (٤).
وجه الاستدلال من الحديث:
قال ابن حجر: «الاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع، وإبطال الحيل من أقوى الأدلة» (٥).
_________________
(١) الموافقات (٣/ ١١٠، ١١١)، ومقاصد الشريعة، لابن عاشور (٣/ ٣٢٩).
(٢) سورة النساء، آية: ١٢.
(٣) الموافقات (٣/ ١١٠، ١١١)، ومقاصد الشريعة، لابن عاشور (٣/ ٣٢٩).
(٤) رواه البخاري (٨/ ٧٦)، كتاب الحيل، باب في ترك الحيل وأن لكل امريء ما نوى، ح (٦٩٥٣).
(٥) فتح الباري (١٢/ ٣٤٣).
[ ١٣٦ ]
المناقشة:
هو دليل للفريقين؛ لأن المرجع هو نية العامل (١).
الدليل السادس: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي (ﷺ) قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلاَّ أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» (٢).
وجه الاستدلال من الحديث:
استدل به الإمام أحمد، وقال: فيه إبطال الحيل؛ لأنه حكم بتمام البيع إذا تفرقا على السلامة وجاري العادة، وتحريمه التفريق على من أراد الحيلة والخديعة (٣).
الدليل السابع: عن أبي هريرة (﵁)، أن رسول الله (ﷺ) قال: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، وتستحلون محارم الله بأدنى الحيل» (٤).
_________________
(١) عمدة القاري، للعيني (٢٤/ ١٠٨).
(٢) رواه أبو داود في سننه (٤/ ١٦٦)، كتاب البيوع، باب خيار المتبايعين، ح (٣٤٥٠)، والنسائي في سننه (٧/ ٢٨٨)، كتاب البيوع، باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما، ح (٤٤٩٥)، والترمذي في سننه، ص ٣٨٨، كتاب البيوع، باب ما جاء في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، ح (١٢٥٠)، وحسنه الألباني. إرواء الغليل (٥/ ١٥٥)، ح (١٣١١).
(٣) إبطال الحيل، لابن بطة، ص ١١٦، وبيان الدليل، لابن تيمية، ص ٨٦.
(٤) رواه ابن بطة في كتاب إبطال الحيل، ص ١١٢، وحسنه ابن تيمية. بيان الدليل، لابن تيمية، ص ٨٧، وإغاثة اللهفان، لابن القيم (؟؟ /٥٩٦)، وتفسير القرآن، لابن كثير (٤/ ١٠٥).
[ ١٣٧ ]
وجه الاستدلال من الحديث:
قال ابن قيم الجوزية: «وهو نص في تحريم استحلال محارم الله تعالى بالحيل» (١).
الدليل الثامن: بلغ عمر أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا؛ ألم يعلم أن رسول الله (ﷺ) قال: «قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» (٢).
وجه الاستدلال من الحديث:
أنهم أذابوا الشحم حتى زال عنه اسم الشحم، ثم جملوها وباعوها حيلة (٣) (٤).
القول الثاني: أن الحيل جائزة. وهو قول الحنفية (٥).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ﴾ (٦).
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٥٩٦).
(٢) رواه البخاري (٣/ ٥٣)، كتاب البيوع، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه، ح (٢٢٢٣).
(٣) بيان الدليل، لابن تيمية، ص ٨٩، ٩٠، وإغاثة اللهفان، لابن قيم الجوزية (١/ ٥٩٧)، وأعلام الحديث، للخطابي (٢/ ١١٠٠).
(٤) هذا مع اختصار في الأدلة، وإلا فقد أسهب واسترسل شيخ الإسلام ابن تيمية فيها بالأدلة والمناقشة، وكذلك ابن القيم، في كتابيهما، لمن أراد الاستزادة.
(٥) المبسوط، للسرخسي (٣٠/ ٢٠٩)، عمدة القاري، للعيني (٢٤/ ١٠٨)، وفتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٣٤٢).
(٦) سورة ص، آية: ٤٤.
[ ١٣٨ ]
وجه الاستدلال في الآية:
فيها تعليم لأيوب (﵇) لكي يخرج من اليمين التي حلف بها ليضربن زوجته (١).
مناقشة وجه الاستدلال:
قد جعل الله له مخرجًا بالكفارة عن يمينه، ويجب عليه أن يكفر ولا يعصي الله بالبر في يمينه (٢).
الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٣).
وجه الاستدلال من الآية:
وهذه حيلة لإمساك أخيه عنده حينئذٍ؛ لوقف أخوته عن مقصودهم (٤).
_________________
(١) المبسوط، للسرخسي (٣٠/ ٢٠٩).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٨٠٣).
(٣) سورة يوسف، آية: ٧٦.
(٤) المبسوط (٣٠/ ٢٠٩)، والكشاف، للزمخشري (٣/ ٣١٠)، وقال: "هذا وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية».
[ ١٣٩ ]
مناقشة أوجه الاستدلال:
هذه حجة عليكم لا لكم؛ لأنكم لا تجوزون شيئًا مما في هذه القصة، ولا تجوز في شريعتنا بوجه من الوجوه، فكيف يحتج المحتج بما يحرم العمل به؟ (١).
الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (٢).
وجه الاستدلال في الآية:
أراد بالحيلة التحيل على التخلص من الكفار، وهذه حيلة محمودة يثاب عليها مَن عمِلها (٣).
الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٤).
وجه الاستدلال من الآية:
فقد جوَّز الله المعاريض، ونهى عن التصريح بالخطبة، وهي من الحيل (٥).
_________________
(١) إغاثة اللهفان (٢/ ٨١٦ وما بعدها)، وبيان الدليل، ص ٢٦٣ وما بعدها، وقد أطالا في الرد على هذا الدليل.
(٢) سورة النساء، آية: ٩٧ - ٩٩.
(٣) أعلام الموقعين (٥/ ١٨٧)، وإغاثة اللهفان (١/ ٦٤٥).
(٤) البقرة، آية: ٢٣٥.
(٥) المبسوط، للسرخسي (٣٠/ ٢١٢).
[ ١٤٠ ]
مناقشة وجه الاستدلال:
لا نسلم لكم أن المعاريض جائزة إذا تضمنت استباحة الحرام، وإسقاط الواجبات، وإبطال الحقوق.
بل تجوز المعاريض إذا كان فيها تخلص من ظالم، أو نصرة للحق، أو إبطال باطل (١).
الدليل الخامس: قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (٢).
وجه الاستدلال من الآية:
قال غير واحد من المفسرين: (مخرجًا) مما ضاق على الناس (٣)، ولا ريب أن هذه الحيل مخارج مما ضاق على الناس (٤).
القول الراجح- والله أعلم- التفصيل:
إنَّ ما كان من الحيل فيه خداع ومكر وكذب؛ فلا يجوز، وكذلك ما كان فيه ظلم أو إسقاط حق لأحد؛ فلا يجوز، أما ما كان من الحيل لأخذ حقه، وبطريق مشروع، وكذلك ما كان لدفع ظلم عنه؛ فيجوز، ويتبين سبب الترجيح في تقسيم العلماء للحيل.
وبهذا يتبين عدم الجواز في مسألتنا؛ لأن فيها خداعًا وكذبًا
_________________
(١) أعلام الموقعين (٥/ ١٧٦ وما بعدها)، وبيان الدليل، ص ٢٥٥ وما بعدها.
(٢) سورة الطلاق، آية: ٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٢١/ ٤٤)، والتفسير الكبير، للطبراني (٦/ ٢٩٦)، والكشاف، للزمخشري (٦/ ١٤٣).
(٤) أعلام الموقعين (٥/ ١٢٢)، وفتح الباري (١٢/ ٣٤٢).
[ ١٤١ ]
لأخذ المال دون قصد الزواج، ويأثم الاثنان إن كانا متفقين على ذلك، وإلا أثِم منهما من أراد الحيلة في زواجه سواء كان الزوج لأخذ المال، أو الزوجة للإقامة أو الجنسية.
أقسام الحيل:
اختلف العلماء في تقسيم الحيل، فذهب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية إلى تقسيمها أقسامًا، منها:
القسم الأول: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، بحيث لا يحل بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرمًا في نفسه، فحرام باتفاق المسلمين، وصاحبه فاجر آثم ظالم، ويسمى صاحبه مكَّارًا وداهية، كالتحيل على هلاك النفوس، وأخذ الأموال، وفساد ذات البين، وحيل الشيطان في إغواء بني آدم، وحيل المجادلين بالباطل على إدحاض الحق، وإظهار الباطل.
فكل ما هو محرم في نفسه، فالتوصل إليه محرم بالطرق الظاهرة والخفية، بل الخفية أعظم إثمًا؛ لأنها أخدع.
وتحت هذا القسم نوعان:
النوع الأول: ما يظهر أن مقصود صاحبه الشر؛ كحيل اللصوص، فحكم هذا واضح، قال فيه شيخ الإسلام: «ولا مدخل لهذه في الفقه».
النوع الثاني: ما لا يظهر فيه قصد المحتال، بل يظهر قصد الحل في الظاهر، وقد لا يمكن الاطلاع على مقصوده غالبًا، ففي
[ ١٤٢ ]
مثل هذا قد تسد الذرائع إلى تلك المقاصد الخبيثة (١).
القسم الثاني: أن يقصد بالحيلة أخذ حق، أو دفع باطل (٢)، وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٣):
١ - أن يكون الطريق محرمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا، مثل أن يكون على رجل حق فيجحده ولا يبينه له، فيقيم صاحب الحق شاهدي زور يشهدان به، ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق. وهذا قال فيه شيخ الإسلام: «فهذا محرم قبيح» (٤).
٢ - أن تكون الطريقة مشروعة، وما تفضي إليه مشروع، وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مفضية إلى مسبباتها؛ كالبيع والإجارة وغيرهما، وليس هذا من باب الحيل وإن أخذ اسمه، كما قال بعض السلف: الأمر أمران: أمر فيه حيلة، فلا يعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه، فلا يجزع منه (٥). والحكم في هذا واضح.
٣ - أن يحتال على التوصل إلى الحق، أو على دفع الظلم بطريق مباحة (٦) لم توضع موصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقًا إلى هذا المقصود الصحيح، أو تكون قد وضعت
_________________
(١) بيان الدليل، ص ٢٣٤، وإغاثة اللهفان (١/ ٥٨٢)، وأعلام الموقعين (٥/ ٢٩٤)، وقد فصل ﵀ بالأمثلة.
(٢) بيان الدليل، ص ٢٣٦.
(٣) أعلام الموقعين (٥/ ٣٠٠٢).
(٤) بيان الدليل، ص ٢٣٦.
(٥) أعلام الموقعين (٥/ ٣٠٣).
(٦) الطرق الحكمية، لابن القيم الجوزية (١/ ٩١).
[ ١٤٣ ]
له، لكن تكون خفية ولا يفطن لها، فيجوز هذا القسم. وقد مثل له ابن القيم الجوزية في "إعلام الموقعين" (١) بمائة وسبعة عشر مثالًا، وفي "إغاثة اللهفان" (٢) بثمانين مثالًا.
القسم الثالث: أن يقصد حل ما حرم الشارع، أو سقوط ما أوجبه، وقد أباح لهما أسبابًا على سبيل التبع والضمن، فيأتي المحتال فيقصد هذا السبب التابع، ليقصد به أمرًا محرمًا مقصودًا اجتنابه، فهذا حرام من وجهين:
١ - من جهة مقصوده: فإن المقصود به إباحة ما حرمه الشارع، وإسقاط ما أوجبه.
٢ - من جهة سببه: أنه قصد بالسبب ما لم يشرع لأجله.
قال شيخ الإسلام: «وهذا القسم هو الذي كثُر فيه تصرف المحتالين ممن ينتسب إلى الفتوى، وهو أكثر ما قصدنا الكلام فيه؛ فإنه قد اشتبه أمره على المحتالين» (٣).
ثم ذكر تحت هذا القسم أنواعًا:
الأول: الاحتيال لحل ما هو محرم في الحال؛ كنكاح المحلل.
الثاني: الاحتيال على ما انعقد سبب تحريمه، وهو ما يحرم إن تجرد عن الحيلة؛ كالاحتيال في حل اليمين، فإن يمين الطلاق
_________________
(١) أعلام الموقعين (٥/ ٣٠٥).
(٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٦٦٧ وما بعدها.
(٣) بيان الدليل، ص ٢٣٧.
[ ١٤٤ ]
يوجب تحريم المرأة إذا حنث، فالمحتال يريد إزالة التحريم مع وجود السبب المحرم، وهو الفعل المحلوف عليه.
الثالث: الاحتيال على إسقاط واجب قد وجب، مثل أن يسافر في أثناء يوم من رمضان ليفطر.
الرابع: الاحتيال على ما انعقد سبب وجوبه؛ مثل الاحتيال لإسقاط الزكاة، أو الشفعة، أو الفطر في رمضان، وفي بعضها يظهر أن المقصود خبيث، مثل الاحتياط لإسقاط الزكاة، أو صوم الشهر بعينه، لكن شبهة المرتكب أن هذا منع للوجوب لا رفع له، وكلاهما في الحقيقة واحد، وفي بعضها يظهر أن السبب المحتال به لا حقيقة له (١).
القسم الرابع: الاحتيال على أخذ بدل حقه، أو تعيين حقه بخيانة؛ مثل أن يأخذ مالًا قد اؤتمن عليه، زاعمًا أنه بدل ماله، أو أنه يستحقه مع عدم ظهور سبب الاستحقاق، أو إظهاره. فهذا حرام (٢).
وذهب الشاطبي في تقسيم الحيل إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لا خلاف في بطلانه؛ كحيل المنافقين والمرائين.
القسم الثاني: ما لا خلاف في جوازه؛ كالنطق بكلمة الكفر إكراهًا عليها، وكلا القسمين بالغ مبلغ القطع.
_________________
(١) بيان الدليل، ص ٢٥٠، ٢٥١.
(٢) بيان الدليل، ص ٢٥٢.
[ ١٤٥ ]
القسم الثالث: وهو محل الخلاف للإشكال والغموض، وفيه اضطربت أنظار النظار، من جهة أنه لم يتبين فيه بدليل واضح قطعي لحاقه بالقسم الأول أو الثاني ولا تبين للشارع فيه مقصد يتفق على أنه مقصود له ولا ظهر أنه على خلاف المصلحة التي وضعتها الشريعة، فصار هذا القسم من هذا الوجه متنازع فيه (١).
ومما سبق من التقاسيم يتبين لنا أن الشاطبي قسم الحيل إجمالًا، بينما ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية فصَّلوا فيها، وذكروا تحت كل قسم ما تحته من أنواع.
_________________
(١) الموافقات، للشاطبي (٣/ ١٢٤، ١٢٥).
[ ١٤٦ ]