من الأمور المعينة على الصلة الاستعانة بالله، ومقابلة إساءة الأقارب بالإحسان، وقبول أعذارهم إذا أخطئوا واعتذروا، والصفح عنهم، ونسيان معايبهم حتى لو لم يعتذروا، والتواضع ولين الجانب، وبذل المستطاع لهم وترك المنة عليهم، والبعد عن مطالبتهم بالمثل، وتوطين النفس على الرضا بالقليل من الأقارب، وترك التكلف مع الأقارب ورفع الحرج عنهم، وتجنب الخصام وكثرة الملاحاة والجدال العقيم مع الأقارب، والمبادرة بالهدية إن حصل خلاف مع الأقارب والحرص على إصلاح ذات البين، وتعجيل قسمة الميراث والحذر من إحراج الأقارب وذلك بالبعد عن كل سبب يوصل إلى ذلك، ومراعاة أحوالهم وفهم نفسياتهم، وإنزالهم منازلهم فمن الأقارب من يرضى بالقليل فتكفيه الزيارة السنوية ومنهم من تكفيه المكالمة الهاتفية ومنهم من يرضى بطلاقة الوجه والصلة بالقول فحسب ومنهم من يعفو عن حقه كاملًا ومنهم من لا يرضى إلا بالزيارة المستمرة وبالملاحظة الدائمة فمعاملتهم بمقتضى أحوالهم يُعين على الصلة واستبقاء المودة، ومن الأسباب كذلك التغاضي والتغافل وهو حسن مع الجميع ومع الأقارب من باب أولى.
حكم صلة الرحم:
صلة الرحم واجبة ويحرم قطعها، ولا يجوز هجرها ولكن إن كان عذر بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور فلا يحرم.
وعلى هذا فالصلة تكون واجبة إذا كان أهل الرحم أهل استقامة فإن كانوا كفارًا أو فجارًا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم ثم إعلامهم إذا أصروا بأن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى، وذلك أن مقاطعة المبتدعة والعصاة مقدمة على صلة الرحم التي ورد الأمر بصلتها لأن الدين أهم من الرحم وهذا في حال التزاحم.
الأقارب الواجب صِلَتُهم:
مَن تَجب صلتُه هم أصْحاب الرَّحِم المحرَّمة من جهة الأمِّ والأب إذا كانوا من أهل الاستقامة، فكلُّ شخصَين لو كان أحدُهُما ذكرًا والآخر أنثى، إذا لم يَجُز التَّناكُح بينهما، كانت صلة الرَّحم بيْنهما واجبة، وإذا جاز التَّناكُح بيْنهما لم تَجب صلتُهما، فالأعمام والعمَّات والأخوال والخالات من الرَّحم المحرَّمة، التي يَجب صلتُها، وأولادُهم ليسوا من الرَّحم المحرَّمة، فصِلَتهم مستحبَّة لا واجبة؛ فعنْ أبِي هُرَيْرة - ﵁ - قال النبي - ﷺ -: «لا يُجْمع بين المرْأة وعمَّتها ولا بين المرأة وخالتها»؛ رواه البخاري ومسلم، فيحرم على الرجل أن يجمع في النِّكاح بين المرأة وعمَّتها وبين المرأة وخالتها، لما يحصُل بين الضَّرائر من خصام بسبب الغيْرة، فيؤدِّي إلى قطيعةِ الرَّحم بين المرأة وعمَّتها وخالتها، ويجوز الجمع بين المرْأة وبين بنت عمِّها وبنت عمَّتها، وبين المرأة وبنت خالها وبنت خالتها، مع أنَّه قد يحصل بينهما تقاطع بسبب غيرة النِّساء، فدلَّ ذلك على أنَّ مَن تجِب صلته من الأقارب هي الرَّحِم المحرَّمة، وبِهذا الضَّابط يزول الإشْكال؛ لأنَّنا إذا قُلْنا تجِب صلة الرَّحِم وهم الأقارب لصعُب ضبطُهم؛ لأنَّ النَّاس كلَّهم أقارب يرجِعون لآدم، وإذا قلنا هذا تجب صلته وهذا لا تجب صلته، فهذا تحكُّم؛ لأنَّه لا دليل يسنده، هذا الذي أراه راجحًا من أقوال أهل
[ ٣٠ ]
العلم، والله أعلم.
وهذا في باب التَّقرير العِلْمي، أمَّا في باب الواقع العملي فينبغي للشَّخص أن يصِل ما استطاع صِلَته من أقاربِه، فصلة عامَّة المسلمين قُرْبة وطاعة، فالأقارب وإن بعدوا أوْلى وأحرى بهذه الصِّلة.
وهنا تنبيه مهم وهو أن الَّذين تجب صلتُهم هم الأقارب الَّذين من النَّسب، أمَّا أقارب الرَّضاعة فليست صلتهم واجبةً، وإن كانوا يدْخُلون في تحريم النِّكاح، فالنُّصوص الواردة في الصِّلة هي في صلة النَّسب لا صلة الرَّضاعة، وقد قال النَّبيُّ - ﷺ -: «يحرُم من الرَّضاعة ما يَحرم من النَّسب»، ولم يقُل - ﷺ - يجب للرَّضاعة ما يجب للنَّسب؛ فلِذا لا يرِث القريب من الرَّضاعة ولا تجب له النَّفقة، لكن من حسن المعاملة ومكارم الأخلاق الإحسان إليْهم وصلتهم، واشتهر في كتُب السيرة أنَّ الشَّيماء بنت الحارث أخت رسول الله - ﷺ - من الرَّضاعة حينما قدمت على النبي - ﷺ - أكرمها ونحلها مالًا.
هل أهل الزوجة أو أهل الزوج من الأرحام؟
الأرحام هم الأقارب من جهة الأب أو من جهة الأم أما أهل الزوجة فهم أصهار.
كيفية صلة الأرحام:
لم يُحدد الشرع لصلة الرحم أسلوبًا معينًا أو قدرًا محددًا، وإنما ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأعراف، وما دام المسلم لا يهجر أقاربه ويصلهم ولو بالسلام فلا يُعد قاطعًا، وللصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعًا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له أن يفعله لا يسمى واصلًا.
وصلة الرحم تكون بأمور متعددة فتكون بزيارتهم، والإهداء إليهم، والسؤال عنهم، وتفقد أحوالهم، والتصدق على فقيرهم والتلطف مع غنيهم، واحترام كبيرهم وتكون باستضافتهم، وحسن استقبالهم، ومشاركتهم في أفراحهم ومواساتهم في أحزانهم، كما تكون بالدعاء لهم وسلامة الصدر نحوهم، وإجابة دعوتهم، وعيادة مرضاهم كما تكون بدعوتهم إلى الهدى، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتكون بالمال والعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه والسلام، وتكون بالمال وبالعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه وبالدعاء، وهي بشكل عام هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول.
حدود ما يجوز أن يراه الرجل من محارمه من النساء وحكم تقبيل المحارم من النساء:
اختلف العلماء في تحديد ما يجوز أن يراه الرجل من محارمه من النساء، سواء كان أبًا أو غيره.
فذهب الحنفية إلى جواز نظره إلى الرأس والوجه والصدر والساق والعضد، ويحرم عليه النظر إلى ما بين سرتها وركبتها وظهرها وبطنها، وعرَّفوا البطن بأنه ما لان من المقدم، والظهر ما يقابله من المؤخر.
وذهب المالكية -كما في منح الجليل-: إلى أنه لا يجوز له النظر إلى جميع جسدها غير الوجه والأطراف من عنق ورأس وذراع وقدم، لا ظهر وصدر وثدي وساق، ويجوز لمس وجهها وأطرافها إن لم يخش اللذة.
وذهب الشافعية: إلى أنه يجوز له النظر إلى جميع بدنها، ما عدا ما بين السرة والركبة، وقيل: ما يبدو في المهنة فقط قلتُ وهذا الراجح عندي.
قال الخطيب الشربيني في شرحه على المنهاج: (ولا ينظر الفحل من محرمه الأنثى من نسب أو
[ ٣١ ]
رضاع أو مصاهرة ما بين سرة وركبة منها. أي يحرم نظر ذلك إجماعًا، ويحل بغير شهوة نظر ما سواه -أي المذكور- وهو ما عدا ما بين السرة والركبة، لأن المحرمية معنى يوجب حرمة المناكحة، فكانا كالرجلين والمرأتين، فيجوز النظر إلى السرة والركبة، لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المحرم، فهذه العبارة أولى من عبارة ابن المقري تبعًا لغيره بما فوق السرة وتحت الركبة، وقيل: إنما يحل نظر ما يبدو منها في المهنة فقط، لأن غيره لا ضرورة إلى النظر إليه، والمراد بما يبدو في المهنة: الوجه والرأس والعنق واليد إلى المرفق والرجل إلى الركبة). والمهنة هي: الخدمة.
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يجوز للرجل النظر إلى محارمه من النساء، إلا ما يظهر من المرأة غالبًا وهو الراجح عندي.
قال ابن قدامة في المغني: (ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبًا كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك، وليس له النظر إلى ما يستتر غالبًا كالصدر والظهر ونحوهما). أما النظر إلى المحارم مع خشية الفتنة، فيحرم النظر إليها باتفاق العلماء والله أعلم.
وتقبيل الرجل لمحارمه بلا شهوة والعكس جائز، يقول الإمام أحمد -﵀-: لا بأس للقادم من سفر بتقبيل ذوات محارمه إذا لم يخف على نفسه، لكن لا على الفم بل الجبهة والرأس. كشاف القناع ٣/ ٩.
وسئل أيضًا عن الرجل يقبل أخته؟ فقال: قد قبل خالد بن الوليد أخته. وروى البيهقي أن أبا بكر دخل على عائشة وقد أصابتها الحمى فقال لها: كيف أنت يا بنية؟ وقبل خدها. السنن الكبرى ٧/ ١٠١
وروت عائشة أن النبي ﷺ قبل فاطمة وقبلته.
وبالجملة فالمحارم يجوز أن يقبل بعضهم بعضًا في ما جاز لهم النظر إليه، إذا أمنت الفتنة ولم تُخش الشهوة وإلا حرم؛ والله تعالى أعلم.