هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يُظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه أو كان له حق على المسلم كوالديه.
وعرَف بعض أهل العلم المداراة بأنها بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا، وأصلها المدارأة من الدرء وهو الدفع، ومن ذلك اتقاء الفسقة والظلمة ببعض الكلمات الحقة، وبالتبسم في وجوههم، من غير إقرار لهم أو معاونة، فإن ذلك من المداهنة المحرمة. وقيل هي: ملاينة الناس ومعاشرتهم بالحسنى من غير ثلم في الدين، في أي جهة من الجهات، والإغضاء عن مخالفاتهم في بعض الأحيان، والمدارة هي درء الشر المُفسد بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف أشد منه أو مقدار ما يساويه ولكن ليُعلم أن المداراة وردت في الإقبال وفي الكشر والتبسم، فأما الثناء -أي على الفاسق- بما ليس فيه فهو كذب صراح، ولا يجوز إلا لضرورة أو إكراه يُباح الكذب بمثله، بل لا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير، على كل كلام باطل، فإن فعل ذلك فهو مُداهن، بل ينبغي أن يُنكر، فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه، والله أعلم.
تعريف المداهنة:
فسر العلماء بأن المداهنة هي معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.
وقيل أن المداهنة هي ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي أو هي المعاشرة والاستئناس مع وجود ذات المنكر لا أثره والقدرة على الإنكار.
حكم المداراة وحكم المداهنة:
يقول أهل العلم أن الإغضاء يختلف حكمه بحسب الباعث فإذا أغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء منه فهذه مداراة محمودة، وإن أغضيت عن فعل محرم وترك واجب
[ ٧ ]
أو أغضيت لحظ نفسك واستجلاب شهواتك وسلامة جاهك فهذه مداهنة محرمة.
وعلى هذا فالمداراة مشروعة وهي من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول كما بينا، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء كما ذكرنا بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.