إذا كان الوالدين لا يحتاجان إليك ولا ضرر عليهما فيما تفعل فلا حاجة للاستئذان منهما، لأنه ليس كل شيء يُستأذن فيه الوالدان.
أما الجهاد فإنه يشترط لجهاد الابن إذن والديه إذا كان فرض كفاية أما إذا كان فرض عين فلا يُشترط وكذلك الهجرة.
وتقديم لزوم الوالدين على الهجرة الواجبة مطلوب شرعًا لحديث النبي ﷺ (قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) فقد أسقط الشارع عنه وجوب الهجرة تقديمًا لحق أبويه، فإن الهجرة إن كانت واجبة عليه فقد عارضها ما هو أوجب منها وهو حق الوالدين، وإن لم
[ ٢٣ ]
تكن واجبة فالواجب أولى، لكن هذا إنما يصح ممن يسلم له دينه في موضعهما، أما لو خاف على دينه وجب عليه الفرار به وترك آبائه وأبنائه كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد.
وعلى هذا فاستئذان الوالدين في الهجرة المتعينة والجهاد واجب إذا لم يكن الجهاد فرض عين أو كان النفير عامًا.
أما استئذان الوالدين عند السفر فإذا كان لطلب الرزق والمعيشة، والحال ضيقة وأنت محتاج ولابد أن تذهب إلى بلد آخر، فعليك بمداراتهما واستئذانهما والذهاب حتى تستغني ثم ترجع، وإن كان لتحصيل علم تحتاج إليه أنت أو بلدك فإنه لا بأس عليك بالسفر إذا لم تجد في بلدك ما يُغنيك فإنك تخرج ولو بغير إذنهما مع غاية التلطف وتكرار المزاورة والإقامة عندهما ما أمكن.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: وضع فقهاء الحنفيّة لذلك قاعدةً حاصلها: أنّ كلّ سفرٍ لا يؤمن فيه الهلاك، ويشتدّ فيه الخطر، فليس للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه، لأنّهما يشفقان على ولدهما، فيتضرّران بذلك.
وكلّ سفرٍ لا يشتدّ فيه الخطر يحلّ له أن يخرج إليه بغير إذنهما، إذا لم يضيّعهما، لانعدام الضّرر.
وبذا لا يلزمه إذنهما للسّفر للتّعلّم، إذا لم يتيسّر له ذلك في بلده، وكان الطّريق آمنًا، ولم يخف عليهما الضّياع، لأنّهما لا يتضرّران بذلك، بل ينتفعان به، فلا تلحقه سمة العقوق.
أمّا إذا كان السّفر للتّجارة، وكانا مستغنين عن خدمة ابنهما، ويؤمن عليهما الضّياع، فإنّه يخرج إليها بغير إذنهما
انتهى.
وعلى هذا فالسفر الذي ظاهره السلامة ولا يتضرر والديك بذلك ضررًا بينًا كأن يكونا يُنفق عليهما ابنهما وإذا سافر الابن لا يمكن أن يُنفق عليهما فلا يُشترط فيه إذن الوالدين، والأولى أن يُرضيهما بما يراه مناسبًا.