قال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) وبهذا تعلم أخي القارىء أن الله تعالى افترض الإحسان إلى الأبوين وأن لا يُنتهروا وأن يُخفض لهما جناح الذل من الرحمة فيما ليس فيه معصية الله تعالى، وبر الولدين ومصاحبتهما في الدنيا بالمعروف واجب ما لم يكونا محاربين للدين وأهله ولو كانا كافرين فكيف إذا كانا مسلمين وعندهما بعض التقصير، والوالدان لهما أحكام واستثناءات خاصة، ومن ذلك أنه يُستثنى من هجر من يستحق الهجر الوالدين لعظم حقهما ما لم تُخش الفتنة في الدين على تفصيل في المسألة ليس هذا موضعه، والفتنة في الدين هي اتباعهم على دينهم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس الأب كالأجنبي، وإذا كان والد المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به من برهم إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر، بل نص أهل العلم على أن المسلم يموت أبواه وهما كافران إنه يغسلهما ويتبعهما ويدفنهما لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمر الله بها، والواجب على الولد صلة والده وبره ومباسطته والصبر على ما يصدر منه، ومع ذلك كله فإنه ينبغي على الوالدين تجاه أبنائهم أن يعينونهم على برهم ولا يكلفوهم من البر فوق طاقتهم ولا يلحون عليهم وقت ضجرهم.
تفسير قوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ):
أي إن حرصا الوالدين عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين فإياك وإياهما فلا تطعهما في ذلك فإن مرجعكم إلى الله يوم القيامة فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا فإن المرء يُحشر يوم القيامة مع من أحب أي حبًا دينيًا، ولا يمنعك حرص الوالدين على متابعتهم في دينهم من أن تصحبهما في الدنيا معروفًا (أي مُحسنًا إليهم)، وصاحبهما في الدنيا معروفًا أي صحبة إحسان إليهما بالمعروف وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي فلا تتبعهما.
حكم بر الوالدين الفاسقين والمشركَين:
بر الوالدين مما أجمع على وجوبه علماء المسلمين، قال أبو محمد ابن حزم ﵀ في مراتب الإجماع: واتفقوا أن بر الوالدين فرض. انتهى.
ولم يفرق أحد من العلماء بين الوالد العدل والفاسق والكافر في أصل وجوب البر، بل نص كثير
[ ١٨ ]
منهم على عدم الفرق وهذا واضح، لأن الفسق والكفر لا يُسقط الحق الواجب، قال في الفواكه الدواني: ومن الفرائض العينية على كل مكلف بر الوالدين أي الإحسان إليهما ولو كانا فاسقين بغير الشرك، بل وإن كانا مشركين، للآيات الدالة على العموم، والحقوق لا تسقط بالفسق ولا بالمخالفة في الدين
انتهى.
ونقل في الآداب الشرعية عن صاحب المستوعب قوله: وَمِنْ الْوَاجِبِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ وَطَاعَتُهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تعالى. انتهى.
وفي الموسوعة الفقهية: ومن الواجب على المسلم بر الوالدين وإن كانا فاسقين أو كافرين. انتهى.
وبه تعلم أن صلة الوالدين المسلمين واجبة وهذا مما لا يشك فيه، ولا يؤثر في ذلك فسقهما وتعديهما حدود الله، وأما الوالد الكافر فوجوب بره كالوالد المسلم، ولكن مال بعض العلماء إلى خلاف هذا وأن الوالد الكافر دون المسلم في الحق لا سيما في عدم وجوب إذنهما للجهاد في سبيل الله لأنهما متهمان في الدين، قال ابن مفلح في الآداب الكبرى: وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ وُجُوبُ طَاعَةِ الْوَالِدِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ النَّظْمِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ السَّابِقِ فِي قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ أَنَّ الْكَافِرَيْنِ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُمَا وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَا إذْنَ لَهُمَا فِي الْجِهَادِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَيُعَامِلُهُمَا بِمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ اتِّبَاعًا لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵂: جَاءَتْنِي أُمِّي مُشْرِكَةً فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ أَصِلُهَا قَالَ نَعَمْ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - قال فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ وَفِيهِ جَوَازُ صِلَةِ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ: وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ طَاعَةُ الْكَافِرِ كَالْمُسْلِمِ لَا سِيَّمَا فِي تَرْكِ النَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَكِنْ يُعَامَلُ بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا سَبِيلَ لِلْوَالِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ إلَى مَنْعِهِ مِنْ الْجِهَادِ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا وَطَاعَتُهُمَا حِينَئِذٍ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ مَعُونَةٌ لِلْكُفَّارِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَبَرَّهُمَا وَيُطِيعَهُمَا فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، كَذَا قَالَ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ. انتهى.
وفي تعقبه كلام الخطابي ما يشعر بميله إلى ما يفهم من كلام صاحب المستوعب من أن الوالد الكافر ليس في البر كالمسلم.
وفي هذا المقام قال الله تعالى: «وَوَصَّيْنَا الإنسانَ بِوَالديهِ حُسْنًا وإنْ جَاهداكَ لِتُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لك به عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إليَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئكُم بما كُنْتُم تعْمَلون».
قيل: نزلت في سعد بن أبي وقّاصٍ، فقد روي أنّه قال: «كنت بارًّا بأمّي فأسلمت فقالت: لتدعنّ دينك أو لا آكل ولا أشرب شرابًا حتّى أموت فتعيّر بي، ويقال: يا قاتل أمّه. وبقيت يومًا ويومًا.
فقلت: يا أمّاه: لو كانت لك مائة نفسٍ، فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي. فلمّا رأت ذلك أكلت».
وقال تعالى في موضع آخر (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) قال ابن كثير ﵀ في بيان معنى المصاحبة في الدنيا معروفًا، وصاحبهما في الدنيا معروفًا أي بالمعروف وهو البر والصلة والعشرة الجميلة
انتهى).، فالبر بالوالدين والمصاحبة بالمعروف واجب كالقول اللين وعدم التعنيف، وعدم التأفف وعدم الزجر، والإحسان إليهما بالمال والإعانة والخدمة كما قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وفي الصحيحين عن أسماء ﵂ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟
[ ١٩ ]
قال: (نعم صلي أمك). وعن أبي هريرة قال: مر رسول ﷺ على عبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل فقال: قد غبر علينا ابن أبي كبشة-يقصد رسول الله عليه من الله مايستحق-، فقال ابنه عبد الله: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لأتيتك برأسه فقال النبي ﷺ: " لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته ". رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به زيد بن بشر الحضرمي، قال أبو السعادات الشيباني في جامع الأصول في أحاديث الرسول عن زيد بن بشر وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات.
وعلى هذا فالبر بالوالدين فرض عين، ولا يختص بكونهما مسلمين، بل حتى لو كانا كافرين يدعوان ابنهما إلى الشرك فيجب برهما والإحسان إليهما ما لم يأمرا ابنهما بشرك أو ارتكاب معصية، وفي هذه الحال عليه أن يقول لهما قولًا لينًا لطيفًا دالًا على الرفق بهما والمحبة لهما، ويجتنب غليظ القول الموجب لنفرتهما، ويناديهما بأحب الألفاظ إليهما، وليقل لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ودنياهما، ولا يتبرم بهما بالضجر والملل والتأفف، ولا ينهرهما، وليقل لهما قولًا كريمًا وليدعوهم إلى الإسلام برفق، ومن العجيب في هذا الباب أن بعض الفقهاء قال إذا طلب أحد الوالدين الكافرين من ولدهما إيصالهما إلى الكنيسة لعجزه عن الوصول إليها، فالواجب على الولد إيصاله إليها، ووجوب البر بهما في هذا الأمر مقيد بحال الطلب ووجود العجز، وإلا لم يجب على من ذهب هذا المذهب نص على هذا فقهاء المالكية.
وقال ابن عاشور (قال فقهاؤنا: إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر لأن شرب الخمر ليس بمنكر للكافر، فإن كان الفعل منكرًا في الدينين فلا يحل للمسلم أن يُشايع أحد أبويه عليه
. انتهى). واعلم أني أورد هذه الأقوال لا لترجيحها بل لحكايتها بيانًا لأهمية بر الوالدين، ولتعلم أخي القارىء أن الأقارب الكفار الغير محاربين يُلحقون بالوالدين الكافرين من المصاحبة في الدنيا بالمعروف وخاصة إذا كان يعسر التحرز من هجرهم لسببٍ ما فعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال (الخالة بمنزلة الأم) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. إلا أنه ينبغي أن يُعلم بأن مشروعية التعامل بالإحسان والبر بالوالدين الكافرين وصحبتهما بالمعروف وصلة الرحم الكافرة يكون دون موالاتهم وطاعتهم فيما يريدون من الشرك ومعصية الله تعالى، فعن أبي عبد الله عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ جهارًا غير سر يقول (إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين ولكن لهم رحم أبلها ببلالها) متفق عليه واللفظ للبخاري.
من الأمور المعينة على البر:
من الأمور المعينة على البر: الاستعانة بالله، وصلاح الآباء، والتواصي بالبر، وإعانة الأولاد على البر، والتوفيق بين الزوجة والوالدين وذلك بزيادة البر بالوالدين بعد الزواج.
شروط بر الوالدين على وجه الكمال:
شروط البر ثلاثة:
١ - أن يؤثر الولد رضا والديه على رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين.
٢ - أن يطيعهما في كل ما يأمرانه به وينهيانه عنه ما لم يأمراه بمعصية.
٣ - أن يقدم لهما كل ما يلحظ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه عن طيب نفس وسرور مع شعوره بتقصير في حقوقهما ولو بذل لهما دمه وماله.
الفرق بين البر والصلة:
الأقارب لهم الصلة والوالدان لهما البر، والبر أعلى من الصلة لأن البر كثرة الخير والإحسان لكن
[ ٢٠ ]
الصلة ألا يقطع ولهذا يقال في تارك البر أنه عاق ويقال فيمن لم يصل إنه قاطع ولا يقال عاق.
المقصود بالوالدين الواجب برهم:
الوالدان هما الأب والأم أما الجد والجدة فلهم بر، لكنه لا يساوي بر الأم والأب وإنما لهما الصلة.