الصدقة على الأقارب صدقة وصلة، أما الزكاة الواجبة فإن كان مما يجب على الإنسان أن يدفعه فإنه لا يصح أن يدفع إليهم الزكاة لو كانت الزكاة لدفع حاجتهما من النفقة وهو ممن تجب عليه النفقة عليهم وماله يحتمل، أما إذا كان مما لا يجب عليه كالدين إذا كان المدين حيًا فلا بأس، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه لرياض الصالحين: أما الزكاة فإن كان مما يجب على الإنسان أن يدفعه فإنه لا يصح أن يدفع إليهم الزكاة، مثل لو كانت الزكاة لدفع حاجتهما من نفقة، وهو ممن تجب عليه النفقة، وماله يتحمل، فإنه لا يجوز له أن يعطيهما من الزكاة، أما إذا كان ممن لا يجب عليه، كما لو قضى دينًا عن أبيه أو عن ابنه أو زوجته، أو قضت دينًا على زوجها فإن ذلك لا بأس به إذا كان المدين حيًا، أما إذا كان المدين ميتًا فلا يقضي عنه إلا تبرعًا، أو من التركة، ولا
[ ٣٣ ]
يقضي عنه من الزكاة
انتهى.
حكم هجر الأرحام لمريض الرهاب الاجتماعي:
هجر الأرحام بالنسبة لمريض الرهاب الاجتماعي غير محرم، بل قال أهل العلم أن الرهاب الاجتماعي عذر لترك الجمعة والجماعة، وعلى هذا فصلة الأرحام لمريض الرهاب الاجتماعي غير واجبة وإن كانت مستحبة في حقه.
حكم صلة القريب الفاجر:
قيل تجب صلة الرحم في جميع الأحوال ولو كان ذو الرحم المسلم فاسقًا وأن الصلة لا تتعلَّق بصلاح صاحِب الرَّحِم وفسقِه فلا يجوز قطعها لمجرد فسقه واستثنوا جواز هجره إذا ترتب عليه مصلحة، وهذا القول ضعيف، وقيل يجب هجر الرحم الفاجرة وهذا أيضًا قولٌ ضعيف، والصحيح هو أن صلة القريب الفاجر لا واجبة ولا محرمة بل مستحبة، والذي يدل على استحبابها ما يلي:
عموم قوله تعالى (وأحسنوا إن الله يُحب المحسنين)، ومن جملة الإحسان صلتهم والبر بهم.
وعن عبدالله بن عمرو: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «ليس الواصِل بالمكافِئ، ولكن الواصل الَّذي إذا قُطِعَتْ رحِمه وصلها»؛ رواه البخاري.
فأخبر النَّبيُّ - ﷺ -: أنَّ الواصل الحقيقيَّ هو الَّذي يصل مَن يقطعه من أقاربه، والقاطع فاسق بقطْعِه رحِمَه، ومع ذلك أمر النَّبيُّ بصلتِه ولَم يجعل فِسْقَه بقطع الرَّحِم مانعًا من صلته.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك" رواه مسلم، ولا شك أن من يقطعون من يصلهم ومن يسيئون على من يُحسن إليهم ومن يجهلون على من يحلم عنهم عندهم من الفسوق ما الله به عليم، ومع ذلك نجد أن رسول الله - ﷺ - لم يُرشد هذا الصحابي الكريم إلى مقاطعتهم بل شجعه على ما هو عليه وهذا إن دل فإنه يدل على استحباب صلتهم والإحسان إليهم.
ولتعلم أخي القارىء أن أهل العلم المحققين يُفرقون بين الرحم الفاجرة التي لا تزال في دائرة الإسلام والرحم الكافرة فالأولى يتساهلون فيها وفي مواصلتها والثانية يقيدونها ببعض القيود، قال ابن حجر بعدما تكلم عن صلة الرحم الكافرة وضوابطها: "وأمّا من كان على الدين ولكنه مقصّر في الأعمال - مثلًا - فلا يشارك الكافر في ذلك"، أي: في القيد المذكور في صلة القريب الكافر.
وإليك أخيرًا بعض أقوال السلف في هذه المسألة ليطمئن قلبك:
قال ميمون بن مهران: "ثلاث تؤدَّى إلى البر والفاجر: الرحم توصَل برّةً كانت أو فاجرة، والأمانة تؤدَّى إلى البر والفاجر، والعهد يوفَّى للبر والفاجر".
قال الفضل للإمام أحمد: رجل له إخوة وأخوات بأرض غصب، ترى أن يزورهم؟ قال: "نعم، ويزورهم ويراودهم على الخروج منها، فإن أجابوا وإلا لم يقم معهم، ولا يدع زيارتهم".
أما دليل عدم وجوب صلة القريب الفاجر فهي كثيرة وجمهور أهل العلم قرروا أن جفاء المُقيم على معصية لا إثم فيه وأن القرابة لا تمنع من الهجران المشروع، وأن الهجر إذا تم على وجهه الشرعي لا يُعد قطيعة قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصًا على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه. فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. انتهى. وقال النووي في الروضة: قال أصحابنا وغيرهم
[ ٣٤ ]
هذا في الهجران لغير عذر شرعي، فإن كان عذر بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور فلا يحرم، وعلى هذا يُحمل ما ثبت من هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه الصحابة عن كلامهم، وكذا ما جاء من هجران السلف بعضهم بعض. انتهى. وفي صحيح مسلم: أن قريبًا لعبد الله بن مغفل خَذَف فنهاه فقال: إنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الْخَذْف وقال: إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا وَلاَ تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ، قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله نهى عنه ثم عُدْتَ تخذف لا أكَلِّمك أبدًا. قال النووي معلقا: في هذا الحديث هجران أهل البدع والفسوق ومُنَابِذِي السنة مع العلم، وأنه يجوز هجرانه دائمًا والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائمًا، وهذا الحديث مِمَّا يؤيده مع نظائر له كحديثِ كعب بن مالك وغيره. انتهى.
حكم صلة القريب الكافر:
حكم صلة القريب الكافر قيل أنها محرمة ويجب هجرهم وقيل جائزة وهي رخصة والصحيح أنها مستحبة والذي يدل على هذا ما يلي:
عموم قوله تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، والصلة من جملة الإحسان.
وقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
يقول ابن سعدي ﵀ في تفسير هذه الآيات (ولما نزلت هذه الآيات الكريمات-يقصد أول سورة الممتحنة-، المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه.
فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلمًا: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، [وقوله:] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: لأجل دينكم، عداوة لدين الله ولمن قام به، ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا﴾ أي: عاونوا غيرهم ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ نهاكم الله ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بالمودة والنصرة، بالقول والفعل، وأما بركم وإحسانكم، الذي ليس بتول للمشركين، فلم ينهكم الله عنه، بل ذلك داخل في عموم الأمر بالإحسان إلى الأقارب وغيرهم من الآدميين، وغيرهم
انتهى).
وعن أسْماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالتْ: قدمتْ علي أمِّي وهي مشركة في عهد رسول الله - ﷺ - فاستفتيتُ رسولَ الله - ﷺ - قلت: وهي راغبة، أفأصِل أمي؟ قال: «نعم، صِلِي أمَّك»؛ رواه البخاري ومسلم.
وعن عبدالله بن عمر - ﵄ - قال: رأى عمر بن الخطَّاب حلَّة سيراء - أي حرير - عند باب المسجِد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريْتها فلبسْتَها يوم الجمعة وللوفد، قال: «إنَّما يلبسها مَن لا خَلاق له في الآخِرة»، ثمَّ جاءت حلل فأعْطى رسولُ الله - ﷺ - عُمَر - منها حُلَّة، وقال: أكسوْتَنيها وقلت في حلَّة عُطَارِد ما قُلْت؟! فقال: «إنِّي لم أكسُكها لتلبسها»، فكساها عمر
[ ٣٥ ]
أخًا له بمكَّة مشركًا؛ رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط وفي رواية ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا وفي رواية فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحمًا أو قال ذمة وصهرًا رواه مسلم قال العلماء الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل ﷺ منهم والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال لما نزلت هذه الآية «وأنذر عشيرتك الأقربين» دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فعم وخص وقال "يا بني عبد شمس يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها" رواه مسلم، والبلال الماء ومعنى الحديث سأصلها شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة، والشاهد قوله ﵊ لعشيرته الكفار (غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها)، والنبي ﵊ وصل أقاربه الكفار، وصل عمه أبا طالب، وكان يأتيه ويدعوه إلى الإسلام، وغير ذلك، وإذا تقرر جواز صلة الرحم الكافرة فجواز صلة الرحم الفاجرة الفاسقة التي لا تزال مسلمة من باب أولى، ولتعلم أن الصلة بالمعنى العام يدخل فيها الأرحام الكفار والفساق وإن كانت صلتهم عمومًا تكون دون صلة الأرحام المسلمين الصالحين، والذي ينبغي من جهة الكمال والاستحباب أن تكون صلة الرحم الكافرة -غير الوالدين -من أجل التأليف على الإسلام أو مراعاة وجود من تحت ولايته من الأبناء المسلمين كما قال ابن حجر: "إن صلةَ الرحم الكافر ينبغي تقييدها بما إذا آنس منه رجوعًا عن الكفر، أو رجا أن يخرج من صلبه مسلم كما في الصورة التي استدلّ بها وهي دعاء النبي ﷺ لقريش بالخصب وعلّل بنحو ذلك، فيحتاج من يترخّص في صلة رحمه الكافر أن يقصد إلى شيء من ذلك" انتهى.