استحبابًا مؤكدًا وخاصة إذا لم يلحق الابن من ذلك ضرر كبير.
• صلة الأرحام:
أدلة وجوب صلة الأرحام وحرمة القطيعة:
أدلة وجوب صلة الأرحام كثيرة ومنها ما يلي:
قال الله تعالى «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم»، وقال تعالى «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام»، وقال تعالى «والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل»، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) متفق عليه.
وعن أنس ﵁ قال كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل وكان أحب أمواله بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت هذه الآية «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» آل عمران، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن الله ﵎ يقول «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» وإن أحب مالى إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله ﷺ (بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه متفق عليه. وعنه أن رسول الله ﷺ قال (من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه ومعنى ينسأ له في أثره أي يؤخر له في أجله وعمره.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال (ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) رواه البخاري.
وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت يا رسول الله إني أعتقت وليدتي قال (أو فعلت) قالت نعم قال (أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) متفق عليه. وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ وعنها قالت قال رسول الله ﷺ (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن) قالت فرجعت إلى عبد الله ابن مسعود فقلت له إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم فقال عبد الله بل ائتيه أنت فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة فخرج علينا بلال فقلنا له ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبره من نحن فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله فقال له رسول الله ﷺ (من هما) قال امرأة من الأنصار وزينب فقال رسول الله ﷺ (أي الزيانب) هي قال امرأة عبد الله فقال
[ ٢٧ ]
رسول الله ﷺ (لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة) متفق عليه.
وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ أن رجلًا قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار فقال النبي ﷺ (تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) متفق عليه. وعن سلمان بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فإن لم يجد تمرًا فالماء فإنه طهور وقال الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة) رواه الترمذي وقال حديث حسن. وفي حديث عمرو بن عبسة ﵁ الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه قال فيه دخلت على النبي ﷺ بمكة يعني في أول النبوة فقلت له ما أنت قال نبي فقلت وما نبي قال أرسلني الله تعالى فقلت بأي شيء أرسلك قال أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يُشرك به شيء وذكر تمام الحديث والله أعلم.
وأما أدلة تحريم القطيعة كثيرة ومنها ما يلي:
قال تعالى «والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار» «.
وعن أبي محمد جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لا يدخل الجنة قاطع) قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم متفق عليه.
وقال تعالى «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم»
وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك) ثم قال رسول الله ﷺ (اقرءوا إن شئتم «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم») متفق عليه وفي رواية للبخاري.
وقال الله تعالى من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته.
وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ (الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه.
وهنا تنبيه وهو أن الرحم المأمور بصلتها، والمتوعد على قطعها هي التي شُرع لها ذلك وهي الرحم الموافقة في الدين، فأما من أُمر بقطعه من أجل الدين أو رُخَص في هجره فيُستثنى من ذلك،
ولا يلحق بالوعيد من قطعه، لكن لو وُصلوا بما يُباح من أمر الدنيا لكان فضلًا.
وعلى هذا فصلة الأرحام يُشرع لها أن تستمر إذا كانت الرحم صالحة مستقيمة أو مستورة أما إذا كانت الرحم كافرة أو فاسقة فتكون صلتهم بالعظة والتذكير وبذل الجهد في ذلك فإن أعيته الحيلة في هدايتهم كأن يرى منهم إعراضًا أو عنادًا أو استكبارًا فله أن يهجرهم رخصةً إذا كان لغير فسقهم، وإن كان لفسقهم فهو من شُعب الإيمان، وأما إن خاف على نفسه أن يتردى معهم ويهو في حضيضهم فلينأ عنهم وجوبًا وليهجرهم الهجر الجميل الذي لا أذى فيه بوجه من الوجوه وليكثر من الدعاء لهم بظهر الغيب لعل الله أن يهديهم ببركة دعائه، ثم إن صادف منهم غرة أو سنحت له لدعوتهم أو تذكيرهم فرصة فليتقدم وليعد الكرة بعد الكرة.
[ ٢٨ ]