لا شك أن حق الوالد أعظم ولكن بر الوالدة ألزم، وعلى هذا فالأم تُقدَم وتُفضَل بالبر والإحسان والعطف وهذا من حيث العموم، وأما إذا تعارض أمر الوالد والوالدة فيجب أن تداريهما وأن تقضي شغلهما معًا، وهذا القدر متفق عليه بين أهل العلم أما إذا تعذر ذلك فهنا اختلف أهل العلم فقال فريق منهم يُنظر أيهما أكثر ضررًا إذا خالفته، فيُقضى ما يكون أكثر ضررا ًعند المخالفة، وإن تساويا فقدم الوالدة، وقال الفريق الآخر الأب يُقدَم في الطاعة مطلقًا، طبعًا في المعروف لأن الأب رب المنزل وقائد السفينة، وافعل يا عبد الله ما هو أصلح لقلبك.
حدود طاعة الوالدين:
طاعة الوالدين الواجبة مقيدة بالمعروف، وفي غير معصية الله ﷿، مما فيه نفعهما ولا ضرر فيه على الولد، أما ما فيه ضرر عليه سواء كان ضررًا دينيًا كأن يأمراه بترك واجب أو فعل محرم فإنه لا طاعة لهما في ذلك، أو كان ضررًا دنيويًا فلا يجب عليه طاعتهما، وعلى هذا فطاعة الوالدين بالمعروف لازمة ولو مع وجود المشقة إلى أن تفحش وتكبر وتقترب من معنى الضرر الذي جاءت الشريعة بإزالته فعندئذ لا تجب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب، وإلا فلا. اهـ.
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بَعْدَ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنْ يَبْرَأَ فِي جَمِيعِ الْمُبَاحَاتِ فَمَا أَمَرَاهُ ائْتَمَرَ وَمَا نَهَيَاهُ انْتَهَى، وَهَذَا فِيمَا كَانَ مَنْفَعَةً لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ ظَاهِرٌ مِثْلُ تَرْكِ السَّفَرِ وَتَرْكِ الْمَبِيتِ عَنْهُمَا نَاحِيَةً. وَاَلَّذِي يَنْتَفِعَانِ بِهِ وَلَا يُسْتَضَرُّ هُوَ بِطَاعَتِهِمَا فِيهِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يَضُرُّهُمَا تَرْكُهُ فَهَذَا لَا يُسْتَرَابُ فِي وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِيهِ، بَلْ عِنْدَنَا هَذَا يَجِبُ لِلْجَارِ. وَقِسْمٌ يَنْتَفِعَانِ بِهِ وَلَا يَضُرُّهُ أَيْضًا طَاعَتُهُمَا فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ يَضُرُّهُ طَاعَتُهُمَا فِيهِ لَمْ تَجِبْ طَاعَتُهُمَا فِيهِ لَكِنْ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ وَجَبَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِأَنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ تَسْقُطُ بِالضَّرَرِ فَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ لَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا بَنَيْنَا أَمْرَ التَّمَلُّكِ فَإِنَّا جَوَّزْنَا لَهُ أَخْذَ مَا لَهُ مَا لَمْ يَضُرُّهُ، فَأَخْذُ مَنَافِعِهِ كَأَخْذِ مَالِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ﴾ فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ بِأَكْثَرَ مِنْ الْعَبْدِ
انتهى.
وأما المال فيجب عليه أن يبرهما ببذله ولو كثر إذا لم يكن عليه ضرر ولم تتعلق به حاجته.
أما طاعة الوالدين في ترك المستحبات والنوافل لغير حاجتهم لا تلزم مع المدارة لهما، علمًا بأنه لا يجوز للوالدين منع ولدهما من السنن من غير موجب.
قال الشّيخ أبو بكرٍ الطّرطوشيّ في كتاب بر الوالدين: لا طاعة لهما في ترك سنّةٍ راتبةٍ، كحضور الجماعات، وترك ركعتي الفجر والوتر ونحو ذلك، إذا سألاه ترك ذلك على الدّوام، بخلاف ما لو دعواه لأوّل وقت الصّلاة وجبت طاعتهما، وإن فاتته فضيلة أوّل الوقت
انتهى.
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية " قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي غُلَامٍ يَصُومُ وَأَبَوَاهُ يَنْهَيَانِهِ عَنْ الصَّوْمِ التَّطَوُّعِ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَصُومَ إذَا نَهَيَاهُ، لَا أُحِبُّ أَنْ يَنْهَاهُ يَعْنِي عَنْ التَّطَوُّعِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي رَجُلٍ يَصُومُ التَّطَوُّعَ فَسَأَلَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ يُفْطِرَ قَالَ: يُرْوَى
[ ٢١ ]
عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: يُفْطِرُ وَلَهُ أَجْرُ الْبِرِّ وَأَجْرُ الصَّوْمِ إذَا أَفْطَرَ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى: إذَا أَمَرَهُ أَبَوَاهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ قَالَ: يُدَارِيهِمَا وَيُصَلِّي قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَفِي الصَّوْمِ كُرِهَ الِابْتِدَاءُ فِيهِ إذَا نَهَاهُ وَاسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَالَ يُدَارِيهِمَا وَيُصَلِّي. انْتَهَى كَلَامُهُ. ثم قال: وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ الْمُقْرِي فِي الرَّجُلِ يَأْمُرُهُ وَالِدُهُ بِأَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ لِيُصَلِّيَ بِهِ قَالَ يُؤَخِّرُهَا قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: فَلَوْ كَانَ تَأْخِيرُهَا لَا يَجُوزُ لَمْ تَجِبْ طَاعَتُهُ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الرَّجُلِ يَنْهَاهُ أَبُوهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ قَالَ لَيْسَ طَاعَتُهُ فِي الْفَرْضِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فِي بَحْثِ مَسْأَلَةِ فُصُولِ الْقُرُبَاتِ عُقَيْبَ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ فَقَدْ أَمَرَ بِطَاعَةِ أَبِيهِ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ نُدِبَ إلَى طَاعَةِ أَبِيهِ فِي تَرْكِ صَوْمِ النَّفْلِ وَصَلَاةِ النَّفْلِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قُرْبَةً وَطَاعَةً ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ هَارُونَ الْمَذْكُورَةَ
انتهى.
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية في موضع آخر: وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ –يقصد الولد-فِي الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُهُ –يقصد الوالد-وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَعْتَبِرُهُ وَلَا وَجْهَ لَهُ وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
انتهى.
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية في موضع آخر: وَذَكَرَ أَبُو الْبَرَكَاتِ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَكَذَا الْمُكْرِي وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ أَحْمَدَ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا تَأَكَّدَ شَرْعًا لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُ وَلَدِهِ فَلَا يُطِيعُهُ فِيهِ، وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ لَا يُطِيعُهُمَا فِي تَرْكِ نَفْلٍ مُؤَكَّدٍ كَطَلَبِ عِلْمٍ لَا يَضُرُّهُمَا بِهِ .. انتهى.
وأما طاعة الوالدين في المشتبهات فواجبة ما لم يجد حرجًا شديدًا فلا تلزمه وعليه بمداراتها والأفضل بلا شك طاعتهما وليفعل المسلم ما هو أصلح لقلبه، قال النووي في شرحه لمسلم: وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات.
وأما حكم طاعتهما لحاجتهما في ترك فروض الكفاية فلا شك أن طاعتهما الواجبة المتعينة مُقدمة على فرض الكفاية لحديث مسلمٍ فيمن أراد البيعة وَأَحَدُ والديه حيّ، وفيه دلالة على تقديم صحبتهما على صحبة النّبيّ ﷺ.
وتقديم خدمتهما - الّتي هي واجبة عليه وجوبًا عينيًّا - على فروض الكفاية، وذلك لأنّ طاعتهما وبرّهما فرض عينٍ، والجهاد فرض كفايةٍ، وفرض العين أقوى.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ إنَّ لِلْوَالِدِ مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهِ ; لِأَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ الْغَزْوِ وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَالتَّطَوُّعُ أَوْلَى وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ (لَا يُجَاهِدُ مَنْ أَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا يَعْنِي تَطَوُّعًا) إنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَإِنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاحْتَجَّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي ذَلِكَ قَالَ: وَلِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفَرْضُ الْعَيْنِ مُقَدَّمٌ، فَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ سَقَطَ إذْنُهُمَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَجَبَ كَالْحَجِّ وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمَعِ وَالسَّفَرِ لِلْعِلْمِ الْوَاجِبِ لِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْأَبَوَيْنِ فِيهَا كَالصَّلَاةِ
انتهى.
وهنا تنبيه مهم وهو أن أمر الوالدين لولدهما بالمعروف واجب الطاعة للولد، ولكن إذا كان الأمر المقصود به الإكرام لولدهما فلا يجب على الولد إلا إذا خاف مفسدة من وراء ذلك.
الفرق بين المشقة والأذى والضرر:
بدايةً يجب أن نعلم بأن المشقة مُرادفة للأذى فلا يوجد فرق بينهما يُذكر على حد علمي أما الفرق بين المشقة والضرر فاعلم أخي المسلم أنه لا يكاد يخلو امتثال أمر من نوع مشقة، لأن النفس تميل إلى الراحة والدعة وتنفر مما لا يناسبها، ويظهر هذا بجلاء إذا كان الأمر بما يُخالف هوى المرء،
[ ٢٢ ]
فهاهنا لا ينفك الامتثال عن مشقة، ولا يخفى أن مقدار ذلك يتفاوت تفاوتا عظيما من حال إلى حال، ومن شخص إلى شخص، ومن أمر إلى أمر.
وجدير بالذكر هنا أن وضع حد فاصل أو خط قاطع بين حدود المشقة المحتملة وغير المحتملة، بحيث يجري ذلك مجرى الحدود الجامعة المانعة أمر متعسر، لاختلاف ذلك في حقيقته وأثره باعتبار الأشخاص والأحوال والأعراف، ولهذا قال الدكتور أحمد موافي في رسالته للماجستير - الضرر في الفقه الإسلامي: الشريعة تنظر إلى مقدار إخلال التصرف بالمصلحة - أي إلى مقدار الضرر - فإذا كان كبيرا فاحشا اعتبرته ضررا واجب الإزالة، وإذا كان يسيرا - أي قليلا يشق الاحتراز منه ومثله يُحتمل عادة - لم تعتبره، ومن ثم لا يمنع منه، على أنه يجري الخلاف بين الفقهاء بخصوص بيان حد الإخلال الكبير الذي يعتبر مثله ضررا ممنوعا منه في الحكم، كذلك يمكن القول بأن الفقه الإسلامي على وجه العموم يعول في كثير من الأحيان في بيان حد الإخلال الكبير الذي يعتبر مثله ضررا واجب الإزالة على العادة والعرف. اهـ
آداب التعامل مع الوالدين:
من آداب التعامل مع الوالدين طاعتهما واجتناب معصيتهما ما لم يأمروا بمعصية الله ورسوله، والإحسان إليهما، وخفض الجناح لهما وذلك بالتذلل لهما والتواضع والتطامن، والبعد عن زجرهما والإصغاء إليهما، والفرح بأوامرهما، وترك التضجر والتأفف منهما، والتطلق لهما والتودد لهما والتحبب إليهما، والجلوس أمامهما بأدب واحترام، وتجنب المنة في الخدمة أو العطية، ومساعدتهما في الأعمال، والبعد عن إزعاجهما وتجنب الشجار وإثارة الجدل أمامهما وتلبية ندائهما بسرعة، وتعويد الزوجة والأولاد على البر وإصلاح ذات البين إذا فسدت بين الوالدين، والاستئذان حال الدخول عليهما، وتذكيرهما بالله دائما ًوذلك بتعليمهما ما يجهلانه من أمور الدين، وأمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر إذا كان عليهما بعض مظاهر الفسق والمعصية مع مراعاة أن يكون ذلك بمنتهى اللطف والإشفاق والشفافية والصبر عليهما إذا لم يقبلا، والاستئذان منهما والاستنارة برأيهما والمحافظة على سُمعتهما والبعد عن لومهما، والعمل على ما يسرهما وإن لم يأمرا به، وفهم طبيعتهما ومعاملتهما بمقتضى ذلك، وكثرة الدعاء لهما والاستغفار لهما في حياتهما والبر بهما بعد موتهما.