اعلم أولًا أن هنالك فرق بين أن تصحب الكافر أو أن يصحبك الكافر وبين أن تجاور الكافر أو يجاورك الكافر وذلك أن المسلم إذا ابتلي بهم فصاروا يعيشون بين ظهرانيه جيرانًا له كان على من جاورهم أن يُحسن جوارهم، فالإحسان إلى الجار غير المسلم مشروع ومعاملتهم بالحسنى والعدل معهم دون حبهم أو توليهم أيضًا مشروع، وأما حبه وتوليه فذلك قدر زائد على الإحسان، ولا يجوز الإساءة إليه بحجة أنه كافر ما داموا مقيمين على العهد.
ولتعلم أن هناك أحكام يُشرع للحاكم إقامتها فإن لم يُقمها فقد يُشرع للمسلم المحكوم أحكام قد تناقض الأحكام الموكلة للحاكم ظاهريًا مثل أن الحاكم يجب عليه ألا يستقدم الكفار لجزيرة العرب للاستيطان بها وفي ذات الوقت أُمر المسلم في جزيرة العرب بأن يُحسن للكفار المقيمين إقامة أبدية وذلك باعتبار أنه أمر واقع.
وبالجملة على العاقل ألا يصاحب ولا يجاور من الناس ماستطاع إلا ذا فضل في العلم والدين والأخلاق، والجار الكافر في السوق وفي الدار وفي العمل ينبغي مجاورته بالمعروف وعدم أذاه أما من جعل إجابة دعوتهم ديدنه وعاشرهم وباسطهم فإن إيمانه يرق، وأما إذا كان الجار مسلم لكنه صاحب كبيرة فلا يخلو، إما أن يكون متسترًا بها ويغلق بابه عليه فليعرض عنه ويتغافل عنه وإن أمكن أن ينصحه في السر ويعظه فحسن، وإن كان متظاهرًا بفسقه مثل مكاس أو مرابي فاهجره هجرًا جميلًا وكذا إن كان تاركًا للصلاة في كثير من الأوقات فمره بالمعروف وانهه عن المنكر مرة بعد أخرى وإن لم يستجب فاهجر مصاحبته من غير أن تقطع عنه كلامك وسلامك وهديتك وزيارتك أحيانًا فإن رأيته متمردًا عاتيًا بعيدًا عن الخير ضالًا مُضلًا تخشى على نفسك التأثر به فأعرض عنه واجهد أن تتحول من جواره فقد تعوذ النبي - ﷺ - من جار السوء في دار الإقامة.
[ ٥٦ ]