لا يخفى أن على الرجل أن يراعي حقوق زوجته ويتقي الله تعالى فيها، ويعاشرها بالمعروف فالله ﷾ يقول: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وقال تعالى (وعاشروهن بالمعروف)، وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (استوصوا بالنساء خيرًا فإن المرأة خُلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تُقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء) متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين " المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج " وفي رواية لمسلم " إن المرأة خُلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج وإن ذهبت تُقيمها كسرتها وكسرها طلاقها"، وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر) رواه مسلم. وقوله يفرك هو بفتح الياء وإسكان الفاء معناه يبغض يقال فركت المرأة زوجها وفركها زوجها بكسر الراء يفركها بفتحها أي أبغضها والله أعلم. وعن عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال (ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقًا ولنسائكم عليكم حقا فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) رواه الترمذى. وقال حديث حسن صحيح وقوله ﷺ عوان أي أسيرات جمع عانية وهى الأسيرة والعاني الأسير شبه رسول الله ﷺ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير والضرب المبرح هو الشاق الشديد وقوله ﷺ فلا تبغوا عليهن سبيلا أي لا تطلبوا طريقا تحتجون به عليهن وتؤذونهن به والله أعلم.
وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت) حديث حسن رواه أبو داود وقال معنى لا تقبح أى لا تقل قبحك الله.
وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وبالجملة فإن على الزوج النفقة على زوجته، وللزوجة من المسكن والمطعم والملبس ما يساوي مثلها من النساء، والحد الأدنى من النفقات التي يجب توفيرها للزوجة، فإنها تتلخص في توفير الضروري لها من المسكن والمطعم والملبس، وذلك يختلف باختلاف طبقات النساء المادية والاجتماعية، إذ ما يصلح لواحدة قد لا يصلح للأخرى، ولكن للزوجة من ذلك ما يساوي مثلها من النساء، كما قررنا وفي الحديث الصحيح: أطعمها إذا طعمت، وأكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه ولا تضرب رواه أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح.
[ ٤٦ ]
ومن حق الزوجة على زوجها أن يسكنها سكنًا مستقلًا مناسبًا لا تتعرض فيه لضرر والمقصود بالسكن المستقل أن يكون للزوجة حجرة مع ملحقاتها من ممر مستقل أي مدخل ومخرج ومطبخ ومكان قضاء الحاجة.
ولتعلم أنه لا مانع من أن يتزوج المسلم في بيت أهله، وذلك بشرطين:
الأول: أن ترضى الزوجة بذلك، لأن المسكن المستقل حق للزوجة، فإن تنازلت عنه جاز لها ذلك، وإن لم تتنازل عنه فهو حق لها.
الثاني: إذا رضيت الزوجة بذلك، وكان في البيت رجال أجانب عن الزوجة كالأخ ونحوه، فيجب أن تلتزم الزوجة بالحجاب الشرعي، وأن تحذر من الخلوة معهم، أو الظهور أمامهم بهيئة المتبرجة تجنبًا للفتنة، وحذرًا من الوقوع في الإثم، وإذا أمكن أن تجعل لزوجتك مدخلًا مستقلًا ومرافق مستقلة، فهذا أوفق لما قرره الفقهاء، لأن استقلال المرافق والمدخل والمخرج أحفظ لها وأصون.
ولتعلم أخيرًا أن الزوجة لا يلزمها خدمة أم الزوج أو غيرها من أقاربه لكن إن فعلت ذلك فلا شك أنه من حسن العشرة ومكارم الأخلاق.
ومن حق الزوجة على زوجها ألا يغيب عنها أكثر من ستة أشهر إلا بإذنها.
ويجب على الزوج أن يطأ زوجته بالمعروف بقدر كفايتها ما لم يضره في بدنه أو في معيشته من غير تقدير لمدة.
ولا يجوز للمرأة أن تمتنع من فراش زوجها، وإن كان عاصيًا فاسقًا فإثمه على نفسه، ولتعلم الزوجة أن الصبر على الزوج والتغافل عن زلاته من أسباب دوام العشرة، فكل بني آدم خطاء، والإنسان مهما كملت صفاته وحسنت أخلاقه واستقامت أموره وأحواله، فلا بد أن تصدر منه بعض الهفوات والأخطاء.
وعلى كل حال ينبغي حسن الخلق مع الزوجة وكف الأذى عنها بل واحتمال الأذى عنها والحلم عند طيشها وغضبها.
وينبغي أن لا ينبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد يُفسد خلقها ويُسقط هيبته بالكلية بل يراعي الاعتدال في ذلك فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكرًا ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات ألبته بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمَر وامتنع، وعلى الجملة فبالعدل قامت السماوات والأرض فكل ما جاوز حده انعكس على ضده فينبغي أن يُسلك سبيل الاقتصاد في المخالفة والموافقة ويتبع الحق في جميع ذلك، والطبيب الحاذق هو الذي يُقدَر العلاج بقدر الداء، وليعامل المرأة بما يُصلحها كما يقتضيه حالها.