اعلم أخي القارىء الكريم أن على المسلم تجاه الآخرين حق حسن التعامل والخُلُق معهم جميعًا مؤمنهم وكافرهم ولا يُستثنى من ذلك الحق إلا الكافر المحارب والعاصي المجاهر حال مجاهرته بذات المنكر لا بأثره أو ما كان لمصلحة راجحة كهجر المسلم العاصي لعله يتوب وهذا مع رجاء توبته وإلا فلا، والذي يدل على ما قررناه قوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ولم يظاهروا أي يعاونوا على إخراجكم كالنساء والضعفة منهم (أن تبروهم) أي تحسنوا إليهم (وتقسطوا إليهم) أي تعدلوا (إن الله يحب المقسطين)
انتهى). وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت قدمت علي أمي وهى راغبة أفأصل أمي قال " نعم صلي أمك " متفق عليه، وقال شيخ المفسرين ابن جرير ﵀ في ختام تفسير هذه الآية (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله ﷿ عمّ بقوله: (الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصصْ به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو
[ ٤ ]
سلاح. قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها
انتهى).
ويقول الله سبحانه (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا) وهذا عام، بل قيل أن للمحارب حظًا من الإحسان الذي
لا يؤدي إلى تعظيم شعائر الكفر أو الإعانة على الباطل أو يدل على مودتهم كما قال تعالى في وصفه للأبرار (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا)، ومن المعلوم أنه لم يكن وقت نزول الآية أسيرًا إلا الكافر المحارب.
قال ابن الوزير اليماني ﵀ في كتابه إيثار الحق على الخلق " وأما المخالفة والمنافعة وبذل المعروف وكظم الغيظ وحسن الخلق واكرام الضيف ونحو ذلك فيستحب بذله لجميع الخلق إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذلة فلا يبذل للعدو في حال الحرب كما أشارت إليه الآية: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" كما يأتي
انتهى".
وعلى هذا فالواجب على المسلم أن يُخالق الناس بخلق حسن، حيثما كان في بلاد المسلمين أو خارج بلاد المسلمين، فقد بُعث النبي ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، وإن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم كما دل عليه الحديث، وأول بركات حسن الخلق أنه يفتح لصاحبه مغاليق القلوب، ويؤلف عليه النفوس فتُصغي إليه وتقدر منهجه ودعوته، ويكون ذلك طريقًا قاصدًا لقبولها للإسلام أو لحسن الظن به وعدم معاداته على الأقل، وقد أمرنا الله ﷿ بالبر والقسط بالمسالمين لنا من غير المسلمين كما ذكرنا. وقد أوصانا الله ورسوله ﷺ بالجار ولو كان من غير المسلمين، فقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) والجار الجنب في بعض أوجه تفسيرها هو الجار غير المسلم، وكلنا يعلم قصة اليهودي الذي كان يؤذي النبي ﷺ وكان يرفق به ويحسن إليه ولا يُقابل إساءته بمثلها وكان ذلك سببًا في إسلامه، وقيل أن الصاحب بالجنب هو الذي يلصق بك رجاء خيرك، وقيل الرفيق.
واعلم أخي القارىء أنه لامانع من إكرام الضيف الكافر لكن مع عدم إتحافه بالطُرف واللُطف والانبساط إليه كما تنبسط مع إخوانك المسلمين المتقين.
وعلى كل حال فالذي نوصي به هو حُسن الخلق، فهؤلاء الغير مسلمين لهم حق الجوار وحق الدعوة، فحق الجوار يقتضي الإحسان إليهم، وحق الدعوة يقتضي الصبر عليهم ومداراتهم وتألف قلوبهم بالإحسان إليهم والتجاوز عن هفواتهم، ولا تعارض بين هذا الذي نقول وبين الولاء الذي جعله الله وقفًا على أهل الإسلام وحدهم، فإن الموالاة المحرمة شيء وحسن الخلق الواجب والمأمور به شيء آخر،، وأما إن قُصد بحسن الخلق ما هو أبعد من ذلك كاتخاذ الكفار بطانة من دون المؤمنين، وخاصة خلطاء يُفضي إليهم المرء بمكنون نفسه ويتابعهم ويقرهم على ما هم عليه ويعينهم على مذاهبهم الباطلة ويسكن إليهم في مشورته وتدبير أموره دون بقية المسلمين فهذا الذي حرمه الله ورسوله، علمًا بأن الولاء يعني المحبة الدينية والنصرة على الدين وعلى هذا فلا يلزم من حسن الخلق والمعاملة الولاء، وينبغي التفريق بين البغض في الله وكراهة المنكر وبين أداء الحقوق والواجبات وحسن الخلق، وقد يُعامل المؤمن جميع الناس بالصفح والعفو اللائق بمقامه وشرفه كما قال تعالى (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ
[ ٥ ]
ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)، فقد قال ابن جرير في تفسير هذه الآية (القول في تأويل قوله ﷿: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له، فلا تمنعهم الصدقة
انتهى).
من فضائل حسن الخلق:
الامتثال لأمر الله، وطاعة للرسول - ﷺ -، والاقتداء بالرسول - ﷺ - وهو عبادة عظيمة، ورفعة للدرجات، وأعظم ما يُدخل الجنة، ويورث كسب القلوب، وتيسير الأمور، ومدعاة للذكر الحسن، والسلامة من شر الخلق لأن صاحب الخُلق الحسن لا يقابل الإساءة بالإساءة وإنما يقابلها بالصفح والعفو والإعراض وربما قابلها بالإحسان، والقرب من مجلس النبي - ﷺ - يوم القيامة، ومحبة الله، وأثقل شيء في الميزان يوم القيامة، وزيادة الأعمار وعمارة الديار، والتوصل للحق، وزيادة العلم، وحصول الخيرية، والوفاء بالحقوق الواجبة والمستحبة والإنصاف، وراحة البال وطيب العيش، وحصول الوئام والاتفاق التام في المجتمع، وبه يتمكن المرء من إصلاح ذات البين، ويستر العيوب، وغير ذلك.
أسباب حسن الخلق:
سلامة العقيدة، والدعاء، والمجاهدة، والمحاسبة ولكن لا يحسن المبالغة لأن ذلك قد يؤدي إلى انقباض النفس وانكماشها، والتفكر في الآثار المترتبة على حسن الخلق، والنظر في عواقب سوء الخلق، والحذر من اليأس من إصلاح النفس، وعلو الهمة، والصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل، وتكلف البشر والطلاقة، والتغاضي والتغافل وما كان في حق النفس فلا خلاف فيه، والحلم، والإعراض عن الجاهلين، والترفع عن السباب إلا أن الاستهانة بالمسيء قد عُد من مستحسن الكبر، ونسيان الأذية، والعفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان، والسخاء، ونسيان المعروف والإحسان إلى الناس، والرضا بالقليل من الناس وترك مُطالبتهم بالمثل وذلك بأن تأخذ العفو من أخلاق الناس فتقبل أعذارهم وتتساهل وتترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم، وقبول النصح الهادف والنقد البناء، وقيام المرء بما يسند إليه من عمل على أتم وجه، والتسليم بالخطأ إذا وقع والحذر من تسويفه، ولزوم الرفق، ولزوم التواضع، واستعمال المداراة والمداراة تتأكد مع من لابد لك من معاشرته أو ممن يُتوقَع منه الأذى وهي في العادات مطلوبة ما لم تكن إثمًا، ولزوم الصدق، وتجنب كثرة اللوم والتعنيف على من أساء، وتجنب الوقيعة، ومصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة، والاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات، وأن ينتفع الإنسان بكل من خالطه وصاحبه، وتوطين النفس على الاعتدال، والمحافظة على الصلاة، والصيام، وقراءة القرآن بتدبر وتعقل، وتزكية النفس بالطاعة، ولزوم الحياء، وإفشاء السلام، وإدامة النظر في السيرة النبوية، والنظر في سير الصحابة الكرام، وقراءة سير أهل الفضل والحلم، وقراءة كتب الشمائل والكتب في الأخلاق، والاطلاع على الحكم المأثورة، ومعرفة الأمثال السائرة.
وهنا تنبيهان على ما تقدم التنبيه الأول وهو أنه قد يظن ظان أن العفو عن المسيء والإحسان إليه مع القدرة عليه موجب للذلة والمهانة وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء، وهذا خطأ لأن العفو والحلم لا يشبه بالذلة بحال فإن الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب الكرامة أما الحلم فهو إغضاء الرجل
[ ٦ ]
عن المكروه حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعه ومهابة فالعفو إسقاط حقك جودًا وكرمًا وإحسانًا مع قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزًا وخوفًا ومهانة نفس وهو غير محمود بل لعل المنتقم بالحق أحسن حالًا منه.
والتنبيه الثاني عن معنى المداراة، فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء ولين الكلام وتجنب ما يُشعر ببغض أو غضب أو استنكار إلا في أحوال يكون الإشعار به خيرًا من كتمانه، فمن المداراة أن يجمعك بالرجل يُضمر لك العداوة في مجلس فتقابله بوجه طلق وتقضيه حق التحية وترفق به في الخطاب وذلك أن حقيقة المداراة كما عرفها أهل العلم: هي التلطف في المعاملة ومحاذرة إثارة سخط الناس بقصد جلب مصلحة شرعية أو دفع مفسدة شرعية وقد تكون المداراة بالقول كلين الكلام وقد تكون بالفعل كالهبة والهدية وسائر ألوان الإحسان وهي مشروعة مستحسنة إذا لم يترتب عليها تفويت مصلحة شرعية وقد تصبح واجبة إذا ترتب على تركها مفسدة من ردة أو فسق أو ظلم مسلم أو نحو ذلك.
حكم المجاملة:
إن كانت المجاملة يترتب عليها جحد حق أو إثبات باطل لم تجز هذه المجاملة، أما إن كانت المجاملة لا يترتب عليها شيء من الباطل إنما هي كلمات طيبة فيها إجمال ولا تتضمن شهادة بغير حق لأحد ولا إسقاط حق لأحد فلا حرج في ذلك.