ما أثر عن الصحابة والتابعين في مشروعية عمارة المساجد لقد كان رسول الله ﷺ أسوة حسنة لأصحابه رضوان الله عليهم، فحين بدأ الرسول ﷺ لم يتخلفوا عن مشاركته في عمارة المسجد، بل ساهموا في توسعة المسجد مرات متعاقبة، وكان لأحاديث رسول الله ﷺ في عمارة المساجد مكانة في نفوس أصحابه، فأنشأوا المساجد وعمروها في أماكن مختلفة، ومواقع متعددة أشير إلى بعض مساهمات الصحابة والتابعين في هذا المجال، فمن ذلك:
(١) بناء أبي بكر الصديق مسجدا بفناء داره وذلك قبل الهجرة، مما يعد أول ما بني من المساجد في الإسلام، فعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار وبكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره،
[ ١٤ ]
فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين) .
(٢) بناء عمار بن ياسر مسجدا يصلي فيه، وهو أول ما بني في الإسلام بالمدينة، فقد ذكر الجراعي بعض الروايات التي تفيد أن أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر. وأشار إلى سبق أبي بكر لعمار في بناء المسجد، فيكون المراد أن عمار بنى أول مسجد في الإسلام بالمدينة.
(٣) مشاركة الصحابة رضوان الله عليهم في بناء مسجد قباء، وهو المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم، فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله ﷺ. ولقد قام رسول الله ﷺ يشاركه صحابته الكرام ببناء مسجد قباء، وكان رسول الله ﷺ أول
[ ١٥ ]
مَنْ وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر فوضع حجرا إلى جانب حجر رسول الله، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبى بكر، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه إلى جنب حجر عمر، ثم قال رسول الله ﷺ: «ليضع كل رجل حجره حيث أحب» .
(٤) المشاركة في بناء مسجد رسول الله ﷺ: فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قدم إلى المدينة فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا متقلدين بسيوفهم. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب. قال: فكان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد. قال: فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا فقال ﷺ: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا» قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. قال أنس: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور
[ ١٦ ]
المشركين وخرب، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت قال: فصفوا النخل قبلة وجعلوا عضادتيه حجارة، ولم يكتف عمر ببناء المسجد الأقصى فقط، بل أمر ببناء مسجد عند كل كنيسة.
بالإضافة إلى إنشاء المساجد فقد كان للصحابة والتابعين جهود مشكورة في أعمال التوسعة للمساجد القائمة، وسأقتصر على ذكر بعض التوسعات في المساجد الثلاثة فقط.
أولا: المسجد الحرام: بادر صحابة رسول الله ﷺ والتابعون إلى توسعة المسجد الحرام كلما اقتضت الحاجة لذلك، فكانت أول توسعة للمسجد الحرام في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ثم في عهد عثمان ﵁ وعبد الله بن الزبير، ثم توالت التوسعات من حكام المسلمين من أمويين وعباسيين ومماليك وعثمانيين.
ثم بعد ذلك تعاقب على توسعته وعمارته حكام المسلمين على مر التاريخ، فعمَّره المماليك ثم العثمانيون، حتى كانت العمارة والتوسعة العملاقة في العهد السعودي والتي لم
[ ١٧ ]
تتوقف حتى الآن، وآخرها توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، وهي مستمرة ومتجددة لا تتوقف.
ثانيا: المسجد النبوي: كما قام صحابة رسول الله ﷺ والتابعون بتوسعة المسجد الحرام فلم يقصروا في عمارة وتوسعة المسجد النبوي الشريف فأول توسعة للمسجد النبوي الشريف كانت في حياة الرسول ﷺ، حينما دعا رسول الله ﷺ إلى توسعة المسجد، فبادر عثمان بن عفان ﵁ بالقيام بتكليف هذه التوسعة، فعن قتادة ﵁ قال: كانت بقعة إلى جانب المسجد، فقال النبي ﷺ: «من يشتريها ويوسعها في المسجد وله مثلها في الجنة» فاشتراها عثمان فوسعها في المسجد، وفي عهد أبي بكر الصديق ﵁ احتاج المسجد إلى بعض الإصلاحات، فجدده أبو بكر ﵁، وفي خلافة عمر بن الخطاب قام عمر ﵁ بتوسعته وبنائه سنة سبع عشرة للهجرة.
وفي عهد عثمان ﵁ جدده عثمان تجديدا
[ ١٨ ]
كاملا سنة تسع وعشرين هجرية وزاد فيه زيادة كبيرة، فزاد فيه من ناحية القبلة ومن الغرب، وزاد فيه من الشمال أيضا، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وطلى الجدران بالقصة أو الجبس، وجعل عمده من الحجارة بدل اللبن، وسقفه بخشب الساج، وفتح نوافذ في أعلى الجدار قرب السقف.
ثم بعد ذلك توالت التوسعات وتحسين العمارة على أيدي الحكام المسلمين من أمويين وعباسيين وغيرهم، حتى أعاد الخليفة الوليد بن عبد الملك بناءه فيما بين سنتي ثمان وثمانين وإحدى وستين هجرية، وذلك على أيدي واليه في المدينة عمر بن عبد العزيز، فزاد فيه من جهة الشرق والغرب والشمال، وأدخل فيه حجر زوجات النبي ﷺ، وكان البناء من الحجارة المنقوشة، وجعل سواريه من الحجارة المطابقة، وحشيت بعمد الحديد. إلى أن جاءت التوسعة السعودية الكبيرة وآخرها توسعة خادم الحرمين الشريفين العملاقة جزاه الله عن المسلمين خيرا.
ثالثا: المسجد الأقصى: لا شك أن أول من بنى المسجد الأقصى بعد الفتح
[ ١٩ ]
الإسلامي هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولقد اهتم الخلفاء والملوك ببناء المسجد الأقصى وعمارته في مختلف العصور، وبقي عامرا حتى احتله اليهود فهدموا كثيرا من المباني الإسلامية، وأحرقوا المسجد وأقاموا الحفريات حوله نسأل الله تعالى أن يخلصه من أيديهم.
[ ٢٠ ]